
” ريف رس ” 18 يونيو 2020
ذ/أحمد الشعواوي
ورد في كتاب البخلالي “التعريف بجزيرة بادس بالريف” “.. و من غير المستبعد ان تكون مدينة بادس من تاسيس الفنيقيين او الرومانيين ثم خربت و جدد بناؤها اثناء الفتوحات الاسلامية كبقية المدن المغربية الساحلية..”
توحي لنا اشارات مصدرية ما ورد في النص، حيث تشير الى تاسيس مدينة بادس من طرف امير لواتة بادس، احد اتباع ادريس بن صالح.
يبقى السؤال لماذا لا تذكرها المصادر في هذه الفترة؟
لعل اول من تحدث عن بادس هو البكري( 1094 -1014) الذي تزامن عهده مع تاسيس الدولة المرابطية، في كتابه “المسالك و الممالك” خلال القرن الحادي عشر، يشيراليها بطريقة مقتضبة ويذكرها كمرسى تابع لمملكة نكور “والمراسي المنسوبة الى نكور…مرسى بادس ومرسى بقيوة و باليش..”.
يعتقد ان غياب الايحالات المصدرية يرجع الى كون المدينة لم تعرف ازدهارا كبيرا حتى حدود القرن الحادي عشر و بشكل اكثر خلال القرن الثاني عشر.
هذا الغياب جعل البعض يشكك في هذا التاسيس و يرجح تاسيسها الى وقت متاخرعلى عهد احد الزيريين المغراويين خلال القرن العاشر او بداية الحادي عشرخلال الصراع الصنهاجي- المغراوي و شكلت بذلك بادس جزء من تراب عمر ابن ادريس نسبة الى الادريسيين!!
ربما في البداية عانت بادس من قوة بلاد الاندلس في الطرف الاخر من البحر المتوسط و اعتماد هذه الاخيرة على مدينة سبتة في مبادلاتها مع شمال افريقيا. كذلك، و خصوصا خلال القرن العاشر، كانت كل مملكة نكور مجالا للمواجهات العسكرية بين فاطميي قيروان و بنو امية بقرطبة، مما جعلها تفقد الكثير من اشعاعها السابق حتى نهايتها و غزو المنطقة من طرف يوسف بن تاشفين و اندماج الريف و مدنه في المجال الجغرافي للدولة المرابطية.
لم تعد مملكة نكور تعكس ذلك الاشعاع الذي وصفه اليعقوبي “و مملكة صالح بن سعيد الحميري مسيرة عشرة ايام في عمارات و حصون و قرى و منازل و زرع و ضرب و خصب…و اول حد مملكتهم بلد يقال له غميرة بها رجل يقال له عبيد الله بن عمر بن ادريس”.
في اواسط القرن العاشر، ابن حوقل في كتابه “صورة الارض” توقف عند مدينة نكور حيث قال عنها : “..و نكور مدينة مقتصدة
في وقتنا هذا، و كانت قديما اعظم مما هي و اثارها بينة، و لها مرسى ترسى فيه المراكب في بطن جزيرة تعرف بالمزمة”.
ابن حوقل اتجه من نكور الى مدينة سبتة دون ذكر مدينة بادس، مما يجعلنا نطرح سؤالا.. لماذا هذا الغياب؟.
ظهر اشعاع مدينة بادس خلال القرن الثاني عشرمع بداية حكم الدولة الموحدية، اصبحت بفعل نموها من اهم مدن شمال المغرب. ورد عند الادريسي (1165-1100) “..فاما ما على ضفة البحرالكبيرمن المدن الواقعة في هذا الجزء المرسوم فهي طنجة .وسبتة ونكور و بادس و المزمة و مليلة..”.
عرفت بادس في العهد الموحدي، تطورا صناعيا و عسكريا الى جانب حركة تجارية مهمة. في سنة ١١٦٢ كانت بادس مركزا لبناء عدد كبير من السفن الى جانب كونه مركزا حضاريا. ورد عند الادريسي: “..و بادس مدينة متحضرة فيها اسواق وصناعات قلائل، وغمارة يلجؤون اليها في حوائجهم. و هي اخر بلاد غمارة..”.
اهمية بادس في العصر الموحدي تعكسه كثرة الايحالات التي وردت في مجموعة من المصادرحيث تأكد على الدور الذي لعبته بكونها من اهم مراسي المنطقة، يذكر الناصري في كتابه الاستقصا انه في سنة ٥٥٧ امر عبد المومن “بانشاء الاساطيل في جميع سواحل ممالكه، فانشأ منها …بطنجة و سبتة وبادس ومراسي الريف مائة قطعة..”.
في كتاب الاستبصار في عجائب الامصار نقرأ: “و يجاور مدينة نكور جبل غمارة، و تحته مراسي كثيرة، منها مرسى بادس، عليه عمارة كثيرة من البربر، و فيه السعر رخيص و منه تحمل المراكب الطعام”.
في اواخر القرن الثاني عشر، كانت مدينة بادس من اهم مدن المغرب، دليلنا على ذلك ان محمد الناصر سيفكر في احاطتها بسور لحمايتها: “و في سنة 601 بنا يعيش عامل امير المؤمنين الناصر الموحدي على بلاد الريف سور مدينة بادس و سور المزمة و سور مليلة خوفا عليهم من فجأة العدو النصراني”. ابن ابي زرع، الدخيرة..
هذه بتلخيص مقتضب بعض الاشارات المصدرية التي تأرخ لمدينة بادس الى حدود بداية القرن الثالث عشر الذي تزامن مع حكم محمد الناصر الموحدي…و لنا عودة مع مصادرالعهد المريني..






