” ريف رس” 22 شتنبر 2024
جمال الغازي/ ألمانيا
في عالم الأدب والنقد، يظهر بعض الأشخاص كجسور تربط بين الثقافات والحضارات، يسعون لفهم أعمق للتاريخ والتراث، ويتنقلون ببراعة بين اللغات والأفكار.
عيسى الدودي هو أحد هؤلاء القامات الثقافية التي استطاعت أن تمزج بين الماضي والحاضر، بين الأدب الأندلسي والتراث المحلي الريفي، وبين الدراسات المقارنة التي تبحث في أعماق التأثير والتأثر بين الحضارات. إنه مثال للعالم المثقف والناقد الذي يسعى إلى رفع مستوى الوعي الثقافي من خلال أبحاثه ومؤلفاته، وإلى توطيد جسور التواصل بين الضفتين المتوسطية من خلال مقارباته الأدبية واللغوية.
عيسى الدودي، من مواليد فرخانة بإقليم الناظور عام 1973، هو أستاذ للتعليم الثانوي التأهيلي، حاصل على شهادة الدكتوراه في الأدب الأندلسي من جامعة محمد الأول بوجدة عام 2006. بدأ مسيرته التعليمية بعد أن أنهى دراسته الابتدائية والإعدادية بفرخانة، قبل أن ينتقل إلى ثانوية عبد الكريم الخطابي بالناظور، ومن ثم إلى جامعة محمد الأول حيث أكمل جميع مراحل دراسته العليا.
منذ حصوله على الدكتوراه، عمل الداودي في مجال التدريس، بما في ذلك ست سنوات من العمل التعاقدي في الكلية المتعددة التخصصات بالناظور حتى 2013.
ومنذ ذلك العام، انتقل للعمل في المعهد الإسباني “لوبي دي بيغا” بالناظور، حيث يواصل التدريس حتى اليوم. بالإضافة إلى عمله الأكاديمي، يعد الداودي ناقدا أدبيا ومترجما متميزا، وله ثلاث مؤلفات هامة:
فضاءات النص المقارن (2007)
النص والنص الآخر (2012)
أنطلوجيا القصة القصيرة جدا (2011)، وهو كتاب مشترك مع الدكتور جميل حمداوي.
كما نشر العديد من المقالات في مجلات ودوريات مغربية وعربية، وشارك في ملتقيات أدبية وثقافية داخل المغرب وخارجه. يسعى من خلال دراساته وأبحاثه إلى البحث في نقاط الالتقاء بين الأدبين العربي والإسباني، والتأثير المتبادل بين الثقافات. كما اهتم بالاستعراب والاستشراق، وأجرى دراسات عديدة حول حضور الشرق وشمال إفريقيا في الثقافة الإسبانية.
إلى جانب اهتماماته الأكاديمية، كان الداودي فاعلا نشطا في المجال الثقافي والجمعوي، حيث انخرط في جمعيات مثل فرع الناظور لاتحاد كتاب المغرب، وجمعية ملتقى الفن والإبداع. كما أولى اهتماما خاصا للثقافة المحلية الريفية، حيث بحث في الشعر والقصة والأمثال والحكاية الشعبية، وساهم في تقديم أعمال المبدعين المنتمين إلى هذه المنطقة.
تعرفت شخصيا على عيسى الداودي في جلسات متعددة خلال السنوات الاخيرة ، اجد فيه قامة ثقافية بارزة، إنسان خلوق وهادئ الطباع، ورجل عملي يسعى دائما للنهوض بالمجتمع عبر الفكر والثقافة.
إن عيسى الداودي ليس مجرد ناقد أدبي أو أكاديمي متفوق، بل هو أيضا فاعل ثقافي نشط يسهم في إثراء المشهد الأدبي والفكري في الناظور وخارجها.
بمؤلفاته وأبحاثه، وبمشاركته الفاعلة في الحقل الثقافي، يثبت أنه رجل ينظر إلى الأدب والفكر كوسيلة للتواصل والتفاهم بين الشعوب. شخصيته الهادئة والمتزنة، ومواقفه الإنسانية الرصينة، تجعل منه قدوة في مجال التعليم والثقافة. إنه أحد الأصوات النبيلة التي تسعى لتعزيز الحوار الثقافي، وإبراز قيمة التراث المحلي في إطار عالمي أوسع، ليبقى اسمه مرتبطا بالعلم والإبداع والانفتاح.






