” ريف رس” 18 شتنبر 2024
جمال الغازي/ألمانيا
يعد الشعر الأمازيغي الشفهي هو عملية تبادل الاخبار والمعلومات خلال الكلمات المنطوقة سواء كان الاتصال عبر الأشخاص أو في مناسبات ، يعتبر هذا الفن من أقدم الفنون الأدبية التي تعكس روح الثقافة الريفية في شمال المغرب، هذا الشعر يتميز بأسلوبه العميق وصوره البلاغية الغنية، كان الشعر الأمازيغي ولا يزال وسيلة للتعبير عن مشاعر الحنين إلى الأرض، والانتماء، الغرام ، أحداث تاريخية ، نقل الاخبار والبحث عن الهوية. ومن خلاله، يجد الريفيون منفذا لإحياء ذاكرتهم الجماعية ونقلها للأجيال القادمة، باستخدام لغة غنية برموزها ودلالاتها التراثية، التي تجمع بين البساطة والعمق.
وُلد الشاعر أمحمّد الشامي عام 1963 في مدينة الناظور في حي شعبي عريق ايشوماي، تأثر كثيرا بوالدته رحمها الله ذات اصول شبذانية حيث ورث منها نكهة تلك المنطقة في الكلام فمن لا يعرفه يكاد يجزم انه من اكناف قرية اركمان ، شاعرنا ينحدر من وسط أسرة فقيرة عانت من ظروف حياتية صعبة. عاش الشامي طفولة مليئة بالتحديات التي صقلت شخصيته، وزرعت فيه عزيمة وإصرارا جعلاه يتفوق في تجاوز هذه الصعوبات. تلك الظروف القاسية لم تكن عائقا أمامه، بل كانت حافزا لصقل مهاراته وتطوير ذاته. وبالرغم من أن حياته لم تكن سهلة، إلا أن هذا الكفاح المستمر شكّل أساسا لنضجه الفني والأدبي.
بعد إتمام دراسته الثانوية ، التحق الشامي بمعهد التكنولوجيا قرب تاويمة وحصل على شهادة تقني في الكهرباء الصناعية. ورغم أن مساره المهني ابتعد عن الأدب، إلا أن حبه للشعر لم يتلاشى. بل بدأ بالتقرب من الأوساط الأدبية الأمازيغية في مدينة الناظور، والتي كانت تشهد آنذاك نشاطا ثقافيا كبيرا.
كان لقاؤه بعدد من شعراء الريف نذكر منهم الطاهر الجناح وسعيد الموساوي وعمر بومزوغ، نقطة تحول في مسيرته. تأثر الشامي بهؤلاء الشعراء الذين شكلوا مصادر إلهام له، وفتحوا أمامه أفقا جديدا للإبداع الأدبي. بفضلهم، تمكن من فهم عميق لطبيعة الشعر الأمازيغي، واستلهم منهم القوة الإبداعية والجرأة في التعبير.
عام 1992، انخرط الشامي في جمعية “إيلماس”، وهي جمعية ثقافية رائدة في مدينة الناظور، حيث وجد فيها فضاءا ملهما لتطوير مهاراته. كانت الجمعية بمثابة مختبر ثقافي، حيث اكتشف الشامي موهبته الشعرية وتفجرت طاقاته الإبداعية. هناك، تعلم كيف يصوغ مشاعره وتجربته الحياتية في قالب شعري أمازيغي يحاكي الماضي والحاضر، ويربط بين الأصالة والحداثة.
أثمرت تجربة أمحمّد الشامي عن عدد من الأعمال الأدبية الهامة. من أبرزها ديوان “ثودومين امطاون” يتميز هذا الديوان معظمه بالاحزان والجروح الذي يعبّر فيه عن مشاعر الحرمان والغربة، ديوان بأسلوب شعري يمزج بين الأنين والألم .
كما كتب قصة “وتشماس سموس ن وومثان” والتي نشرت بدعم من جمعية ثامزغا بفضل جهود جمال الغازي.
إلى جانب كتاباته، ساهم الشامي في الحياة الثقافية والفنية بالناظور سنوات التسعينات، حيث تكلف بمهمة انارة المسرحية بصفته تقني متخصص في الكهرباء ، فكانت إضاء مسرحية “انقاز امذران” في المستوى الرائع التي نالت إعجاب الجمهور، مسرحية كتبها الأديب الأمازيغي عمر بومزوغ واخرجها كل من عمر بومزوغ والفنان المعروف فاروق ازنابط، بالمناسبة لابد من تذكير ساهم شاعرنا الشامي بالدعاية لهذه المسرحية في شوارع المدينة، مستخدما سيارة تطوف في الأزقة وتنقل صوته الأمازيغي الشجي في مرحلة كانت الامازيغية تصطدم بالعقبات ،العقوبات والتهكمات. هذا العمل الفني المسرحي اضفى لمسة شعبية خاصة بحضور مكثف اثناء مشاهدة المسرحية.
تعرفت على أمحمّد الشامي عن قرب في السنوات الأخيرة، تحديدا مع جائحة كورونا. كانت لنا لقاءات ثنائية مستمرة منذ ثلاث سنوات، حيث كنا نتبادل الحديث عن الشعر والأدب الأمازيغي. من خلال هذه اللقاءات، اكتشفت فيه شخصية مبدعة بطموح لا يقهر. إنه بمثابة “كنز ثقافي شبذاني” أصيل رغم انه في كل مرة يذكرني بأنه *قلعي ابن ايشوماي * اما انا فارى العكس في نكهته الكلامية دليل بين انه اخذ لهجة والدته رحمها الله بكل صدق وبراءة، شاعرنا المتميز يحتاج إلى من يستخرج هذا العسل المصفى من كيانه ويقدّمه للناس، ليكون مرجعا غنيا في مجال الشعر والهوية الأمازيغية.
أمحمّد الشامي ليس مجرد شاعر ينظم أبياتا، بل هو باحث في التراث الأمازيغي. يسعى دوما لاستكشاف الكلمات الريفية القديمة التي كادت أن تندثر. اهتمامه العميق بالتراث يجعله من بين أبرز الأصوات الأمازيغية التي تعمل على حفظ الهوية الثقافية ونقلها إلى الأجيال الحاضرة والجديدة. يتميز الشامي بقدرته على تحويل الكلمات البسيطة إلى معاني عميقة، حيث يستخدم تعابير تحمل في طياتها ألوانا من المشاعر والأحاسيس.
أمحمّد الشامي هو إنسان هادئ الطبع، وديع الأسلوب، لكن وراء هذا الهدوء يخفي طاقة إبداعية كبيرة. طريقة نطقه للكلمات تجذبك إليه، فهو يتحدث وكأن الكلمات تنبع من قلبه مباشرة. هذا الحب العميق للثقافة الأمازيغية لا يظهر فقط في قصائده وأعماله، بل أيضا في وجهه الذي يعكس إشراقة الإيمان بتراثه.
في سنة كورونا، أتيحت لي فرصة إجراء حوار مميز مع الشاعر أمحمّد الشامي عبر منصة زوم. كانت تلك التجربة فريدة من نوعها، حيث ناقشنا خلالها الشعر الأمازيغي وقضاياه في ظل الجائحة. كانت فرصة لرؤية الجانب الإبداعي الآخر للشامي، وكيف استطاع أن يحافظ على طاقته الإبداعية رغم الظروف الصعبة القاسية.
أمحمّد الشامي ليس مجرد شاعر، بل هو رمز للثقافة الأمازيغية في منطقة الريف. بإصراره على إحياء التراث والبحث في الكلمات المندثرة، يُعد الشامي منارة للأجيال ، التي تحتاج إلى مثل هذه النماذج للإلهام والإبداع.
أتمنى لصديقي استاذ امحمد كل النجاح والتألق في مشواره الأدبي، فهو بحق شاعر يستحق كل الاحترام والتقدير، وشخصية تستحق أن تُحتفى بها في سماء الأدب الأمازيغي .






