الرئيسية / فن و ثقافة / حسن أكراو: قيثارة الناظور التي عزفت من قصدير الحياة
فن و ثقافة

حسن أكراو: قيثارة الناظور التي عزفت من قصدير الحياة

2024-09-14 19:04 3 دقائق قراءة 0 تعليقات

” ريف رس ” 14 شتنبر 2024

جمال الغازي/ ألمانيا

في عالم يعج بالصعاب والتحديات، يبرز الفنان العصامي كنجمة تضيء سماء الفن، تنير الدرب لمن حولها رغم كل العوائق. حسن باشو، المعروف فنيا بـ”أكراو”، هو أحد تلك النجوم التي أشرقت في سماء الناظور الكبير بألحانها الفريدة وأدائها المتميز. نشأ في حي إيشوماي المتواضع، حيث لم تكن الأجواء مهيأة للإبداع الفني، إلا أن الوضوح والبساطة التي تميز بها، مكّنته من أن ينحت لنفسه مكانة راسخة في قلب الموسيقى الأمازيغية، رغم بداياته البسيطة. بأداة لم تكن سوى قصدير الزيت، صنع حسن باشو قيثارته الخاصة، وحول بها عوائق الحياة إلى سيمفونية تتردد في أرجاء الناظور.

كان حسن باشو فنانا يحيا أحلامه على أنغام الواقع، ومنذ مشاركاته الأولى في الحفلات المدرسية الوطنية في الثمانينات، تجلى عشقه العميق للموسيقى. متحديا الفقر وضيق الحال، حوّل “قصدير الزيت” إلى أداة إبداعية، محطما القيود ليصنع ألحانا نابضة بالحياة، تعبر عن إرادته الصلبة.

لم يتوقف حسن باشو *اكراو* عند حدود البساطة، بل كان من أوائل من أدخلوا آلة الماندولين إلى المشهد الموسيقي في الناظور، مما أضفى على موسيقاه نكهة مميزة وعمقا جديدا. هذا الابتكار لم يكن مجرد تطور في الأدوات، بل انعكاسا لرؤية فنية ترى الجمال في كل تفاصيل الحياة، حتى في أكثرها تواضعا.

عاصر حسن باشو فرقة “إذبان أوجنا”، التي شكلت محطة هامة في مسيرته الفنية، وأثرت فيه الظاهرة الغيوانية التي كانت سائدة آنذاك. انطلق بعدها في مساره المستقل، وأسس فرقة “ثيروت نريف” التي أصدرت أول ألبوم لها في عام 1989. كان يتدرب مع زملائه في قاعات دار الشباب بالناظور، حيث كانت بذور الإبداع تنمو وسط أجواء من التضامن والتعلم المشترك.

لكن كما في كثير من قصص النجاح، لم تكن الطريق سهلة، فقد اضطر حسن أكراو إلى مغادرة وطنه بسبب الظروف الصعبة. هاجر إلى إسبانيا ومليلية، حيث قضى عشرين عاماً من حياته في البحث عن لقمة العيش، لكنه لم يستطع أن يهدأ قلبه الذي ينبض بالإبداع. بعد عودته إلى المغرب، حاول أن يعيد بناء فرقة “ثيروت نريف”، ولكن الأقدار لم تساعده في تلك المحاولة. ومع ذلك، لم يعرف طريق التراجع، فأكمل مسيرته الفنية منفردا تحت الاسم الفني “حسن أكراو”.

في عام 2024، أعاد إحياء أغنيته الشهيرة “سيري أوما سيري” القديمة الجديدة، التي كانت أولى أغانيه الفردية عام 2001. هذه الأغنية، التي هي بمثابة رحلة موسيقية في حياة أجير بناء يبحث عن كرامته، تجسد معاناة العامل وشوقه إلى العدالة. الأغنية كتبها الشاعر علي أولاد صديق، المعروف ب علي أمازيغ، واستمر التعاون بينهما في أعمال أخرى مثل “نونجا” و”يما ثماثينو”. هذه الأغاني ليست مجرد كلمات وألحان، بل هي شهادة حية على صمود الفنان في وجه التحديات والمصاعب، وعلى عزيمته القوية في مواصلة مشواره الفني.

 حسن باشو، أو “أكراو”، هو فنان عاشق للطبيعة والبحر، يستهوي السفر والترحال، ويستلهم من الطبيعة فياضانات الإبداع التي يسكبها في ألحانه. حياته بين الوطن والغربة كانت أشبه برحلة طويلة مفعمة بالتجارب والتحديات، لكنها أظهرت لنا أن الفنان الحقيقي لا يعرف الاستسلام، بل يستمر في عزف الحياة حتى وإن كانت أوتارها مصنوعة من قصدير الصعاب. في النهاية، حسن أكراو ليس مجرد فنان، بل هو رمز للإصرار، يحوّل تفاصيل حياته اليومية إلى ألحان تحمل في طياتها معاني الكفاح والصمود، وتجسد بساطة الحياة وتعقيداتها في آن واحد.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *