” ريف رس ” 4 ابريل 2024
إعداد الأديب والمسرحي: مولاي الحسن بنسيدي علي
ليس من السهل أن تقتحم عالمه وتصبر أغواره أو أن تجاريه في ميدان معرفته لأنه ليس ممن امتطى صهوة فرسه خطأ، ولأنه فارس تعرفه ركاب المعارف ولا يشق له غبار، فقد خبر الأدب بجميع أجناسه شعرا وزجلا وقصة ورواية ومسرحا، عرفته في حقبة زمنية كان يستعصي على الكثيرين كتابة النصوص المسرحية، وخوض غمار الإخراج، فكان هو إلى جانب ثلة من المبدعين يعدون على رؤوس الأصابع، رائدا يغني الساحة الثقافية بإبداعاته؛ تعلمنا منه وعلى أيديهم ونهلنا من مشاربهم ولاحقناهم في النوادي والمدرجات وعلى المنصات. عرفته في سبعينيات القرن الماضي في إقصائيات مسرح الهواة، وكنت أنهل من مداخلاته، وأعجب بفصاحته وتحليله للنصوص المسرحية، ولا يبخل بمد المعلومة للكبير والصغير. وما كان يشدنا إليه تواضعه الذي كان يضفي على معرفته سر شخصيته، وشخصيته الاحتفالية تجعل من أعماله ميزة التفرد التي تخصه دون غيره، والتي لا يمكن مقارنتها بغيرها أو أن يقتبسها آخرون لأنه جامع لأبي الفنون، فهو الممثل المجسد للحركة، والمخرج المتمرس، والكاتب الذي يتفنن في اختيار المواضيع المستمدة من الواقع اليومي؛ ينطلق من ذاته إلى محيطه إلى من حوله، وهو الفنان الشاعر الحاكي بلسان حال الناس، والفنان التشكيلي الذي يرسم مشاعره وجوها تشبه الكثيرين؛ لأنه لا ينطلق من فراغ بل هو ابن بيئته فلا يتجرد من أحاسيسه بل يحكيها ويحاكيها بطريقة تجعل المتلقي يشعر بها.
وهذه الدرر السنية لأستاذنا محمد بلهسي هي التي جعلت شهرته تتجاوز المحلي والوطني إلى العالمي؛ اسم لا يمكن أن نختزله في بضع حروف بل إنه تاريخ رجل أعطى الكثير وضحى بأشياء كثيرة من أجل ترسيخ قيم الثقافة المتنوعة والتي جمعها المسرح، وجمعت في الفنان محمد بلهيسي، طاف المدن المغربية -حتى أكاد أجزم أنه جابها شرقا وغربا وشمالا وجنوبا- وكلها تتشرف بحضوره الوازن الممتع والمفيد، تعرفه خشبة المسرح ومدرجات الجامعات ومنصات الأندية ممثلا ومخرجا ومحاضرا وشاعرا وزجالا وفنانا تشكيليا نال منها عدة شهادات تقديرية، وكرم في أكثر محفل واحتفي به؛ لأنه الأستاذ والفنان والموسوعة؛ وقد شرف بأعماله وطنه المغرب خارج حدوده .. تناولت سيرته الفنينة أقلام كتاب مرموقين ورواد كبار من دكاترة وأساتذة المعاهد والجامعات وباحثين، وأصبحت تدرس وتقام حولها أطاريح ورسائل علمية، ومن أبرز تجليات هذا الاستحقاق، كتاب الجماليات المسرحية في تجربة المخرج والمسرحي محمد بلهيسي شهادات ودراسات. وقد جاء الكتاب في مائة وأربع وسين صفحة كلها إشادة واعتزاز بما قدمه المحتف به. وقد كانت هذه الشهادات من أعلام لهم صيتهم ومكانتهم، وقد خبروا أعمال محمد بلهيسي ومنهم من عاشره عن كثب، وقاسمه الحرف أو صعد معه الركح أو قرأ له. وليس من الصدفة أن يجتمع هؤلاء الرواد والباحثون أمثال: الدكتور جمال بوطيب، الدكتور سعيد كريمي، الدكتور بوجمعة العوفي، الدكتورعبد الرحمان بن زيدان، الدكتور رشيد بناني، الدكتور عبد الواحد بورية، الدكتور مصطفى الرمضاني، الدكتور إبراهيم عمري، الدكتور أحمد بلخير، الدكتور يحيى عمارة، الدكتور محمد السغروشني، الدكتورة أمل بنيونس، والأستاذة بديعة الراضي، الدكتور أحمد شراك، وغيرهم كثير.
قلت ليس من الصدفة أن يجمع كل هؤلاء الأعلام على هذه الحظوة لو لم يكن الأستاذ محمد بلهيسي بهذه المكانة العلمية والفنية والإدارية، فهو صانع الفرجة ومبدع كبير وباحث متميز في قضايا الثقافة والمسرح، وعضو مؤسس للجامعة الوطنية لمسرح الهواة، عضو في المكتب التنفيذي لمحترفي المسرح، عضو في اتحاد كتاب المغرب، رئيس لمصلحة الأنشطة الاجتماعية والتربوية، مندوب إقليمي للثقافة، مدير جهوي لوزارة الثقافة جهة تازة الحسيمة تاونات.
وقد حاولت في هذه المقاربة التركيز عل ما ورد في كتاب الجماليات المسرحية في تجربة المخرج المسرحي محمد بلهيسي، لأنني أجد نفسي لا أعلو بحرفي ولا بقلمي على أقلام أعلام كبار نكن لهم التقدير والاحترام ممن أشرت إليهم أعلاه.
مسار محمد بلهيسي الفني:
نصف قرن في مجال الفن المسرحي، تنقل فيه من مسرح الهواة في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، ثم مسؤول إداري، ومشرف وطني، ومدير لكثير من التداريب الوطنية. واكب أعمال فنانين كبار يشهد لهم بعطاءاتهم في التأليف والإخراج والإبداع عموما أمثال :عبد لكريم برشيد، الطيب الصديقي، عبد الحق الزروالي، محمد معزوز، يحي بودلال، محمد مسكين، وبنيحي العزاوي..
عَرَّفَ بتازة فأصبحت منارة للمسرح، ولا يذكر اسمها إلا ومعه اسم محمد بلهيسي. إذ بفضل مجهوداته تمكنت مدينته تازة من الفوز بدورتين للتدريب الوطني للمسرح، كما أصبحت المدينة بفضله قبلة للأدباء والفنانين والمسرحين الذين توافدوا عليها من مختلف أقطار البلدان العربية. ومن حسناته كذلك على الفن والإبداع، أنه ساهم في التعريف بالمسرح المغربي عربيا ودوليا تأليفا وإخراجا، كما ساهم في بناء الهياكل التنظيمية والإدارية للمسرح محليا وإقليميا ووطنيا.
يعتبره الدكتور جمال بوطيب رقما صعبا في مملكة الإبداع ورقما عصيا في الحل والترحال وفي الزمان والمكان وفي الأحوال والوضعيات، أثرى بأعماله المشهد المسرحي بكتاباته التي سنذكر بعضا منها: مسرحية مقام النور، باب الدنيا، جزيرة الأحلام، شياطين الحكاية، البنات والجراب.
الروافــد:
ينتمي محمد بلهيسي للجيل الثاني من المسرحيين المغاربة الذين عملوا على استكمال مسيرة المسرح المغربي على أسس متينة وراقية، حيث تأثر بالمسرح الاحتفالي فعمل على إخراج مجموعة كبيرة من النصوص المسرحية التي ألفها عبد الكريم برشيد، كما وقع على البيانات الأولى للمسرح الاحتفالي، وتبنى الفلسفة الاحتفالية وسار في اتجاه خلق فرجة مسرحية تنبع من المتخيل الشعبي ومن التراث اللامادي بمختلف تمظهراته . وفي هذا النوع من المسرح تغدو خشبة المسرح: “..فضاء اجتماعيا وإبداعيا مفتوحا وفضاء للاحتفال الجماعي الشعبي للتعبير الحر والارتجال التلقائي، وقد كان مسرح جان فيلار شعبيا احتفاليا في خدمة الحفل والجمهور على حد سواء” .
ومن ناحية أخرى، فقد زاوج بلهيسي بين الاستفادة من التراث المغربي ومشاربه الثقافية والهوياتية، مركزا على الثقافة الأنتروبولوجية التي تزخر بها مدينة تازة التي تعتبر ملتقى لمجموعة من القبائل العربية والأمازيغية كبني وراين وريافة والبرانس وغياتة..ويمكن أن نكتشف بالملموس شغفه بالتراث والثقافة الشعبية في ميله لاستغلال أفضية محددة كالأسواق والمواسم والحلقات، وما يرتبط بها من ألوان التعبير الفردي والجماعي كالمداحين والرواة والأشكال الأخرى من الفرجات الشعبية، وقد سعى من خلال ذلك إبراز الروافد الثقافية المغربية وخصوصياتها الجمالية. وليس بالغريب أن نجد أغلب مسرحياته تتكئ: “بشكل قوي على التراث الشعبي..الذي لا يكاد يفارقها من البداية إلى النهاية. وقد توخى..من ذلك مخاطبة الذاكرة الجماعية..ورسم معالم للحياة البدوية التي نما وترعرع فيها هذا التراث المهدد بالانزواء والنسيان، وإشعار الحاضرين أن تعدده وغناه وثراءه سيكون مدعاة للتمسك به والحفاظ عليه” .
يقول الدكتور عبد الرحمان بن زيدان عن منحاه التراثي: “كل محددات الأصالة والتأصيل والكتابة المسرحية بالتراث، وباختلاف المرجعيات الفكرية، والإخراجية بكل ميكانيزماتها الميزانسينية، وكتابة الشعر الشعبي في عروض المخرج محمد بلهيسي كانت قائمة على دمج التراث المحلي في بنية العرض رقصا وغناء وأداء تمشيا مع ما يمليه النص في إرشاداته المسرحية من تصورات إذا كانت هناك إرشادات فهو يعيد تشخيصها فنيا بعد إضافة ما يراه مناسبا لخطه الإخراجي” .. ومن جهة أخرى استفاد من الجماليات الغربية التي نهل من منابعها انطلاقا من التكوينات التي تلقاها خارج البلاد خاصة في فرنسا على يد مخرجين كبار.
وهكذا، فقد استلهم البلهيسي في خطابه التأصيلي في التعبير المسرحي على التراث المغربي والعربي والإنساني بكل مكوناته وتجلياته، سواء كان شفويا أو حركيا أو مكتوبا، كأشكال الغناء الشعبي والإنشاد الصوفي، وكذلك البعد التراجيدي والملحمي الإغريقي والإفريقي. ثم كذلك الاستفادة من التشكيلات الحركية الجماعية والإنشاد الجماعي، وحضور الجوقة والتروبادور والفلكلور .
الجمع بين التأليف والإخراج.
من أهم ما يميز محمد البلهيسي الجمع بين التأليف والإخراج، إذ اشتغل على نصوص عديدة ذات مرجعيات مختلفة، من بينها: مقام النور، سالف نونجا، عرس الأطلس، صالح ومصلوح، ليالي المتنبي، على باب الوزير، قاضي القضاة…وغيرها كثير. وهي نصوص لمسرحيين كبار كعبد الكريم برشيد، محمد مسكين، أحمدالعراقي، محمد الكغاط.
وفي هذا الإطار، فقد اشتغل بلهيسي على نصوص ذات مرجعيات تاريخية وأخرى أدبية صرفة، ومهما كانت نوعية هذه النصوص، فإن بصمات هذا المخرج كانت واضحة، لأنه استطاع تطويعها وإعداده دراماتوجيا، والانتقال من النص المسرحي المكتوب إلى النص المشهدي، لأن النص لا يبلغ قمة عطائه إلا عندما ينتقل من صفحة الورق إلى منصة الخشبة، يقول الدكتور سمير سرحان عن هذا الجانب: “إذن فالخطوة الأولى الحاسمة في تحرير المسرح من إسار الأدب هي حرية التصرف في النص، فالمخرج يستغل نص الكاتب المسرحي كما يستغل الرسام الألوان والظلال، وفي هذه الحالة يصبح النص أرض التجربة التي يمارس عليها المخرج ملكاته الخلاقة” . أضف إلى ذلك، أن الإخراج والكتابة السينوغرافية هي القادرة على جعل النص مجرد عنصر ضمن نسق العرض المسرحي، وبالتالي تجاوز محدودية اللغة إلى أفق أرحب يشمل لغات سمعية وبصرية كالموسيقى والأهازيج والصور والألوان والديكور والأضواء… وبهذا الصدد، يصفه الدكتور عبد الرحمان بن زيدان بقوله: محمد بلهيسي يبقى القابض عل جمر ومتعة اللحظات الجميلة في التعامل مع الزمن المسرحي .
وفيما يخص تعامله مع النصوص الأدبية كمشروع للفرجة، فهو يقوم بإعادة قراءة ما سيقوم بتقديمه فوق الركح، وهندسته فوق الفضاء الفارغ، حتى يكتسب حضورا بالحركة الأفقية والعمودية التي تضبط إيقاعاتها كخطوط متحركة متناسقة ومتناغمة. ولكي يتصرف بحكمة في إعادة كتابة النص المسرحي فإنه يعمد إلى تقنية التقطيع النصي، والتفكيك وإعادة البناء.
توظيف الشعر والزجل:
يعد البلهيسي من المبدعين في فني الشعر والزجل، ولا غرو أن يحضر هذان الجنسان الأدبيان في عروضه المسرحية، لهذا فهو يعمد إلى النظم الزجلي وغناء المجموعات الشبابية الأخرى، وليس من الغريب أن نجد كلتا الهوايتين تحتلان واجهة اهتمام جمهور الثقافة الشابة والإبداع الطليعي في تلك الفترة. وهكذا، فإنه كان حين يعتلي منصة الفرجة ليغني أزجالا ملتزمة على ألحان تراثية بسيطة، أو ليمثل أحد الأدوار الطافحة بالفرجة أو التي يختلط فيها التشخيص بالغناء فإنه يمتع ويكتسح الخشبة بحضوره وبصوته القوي والعذب وبنبرته الواثقة، وقد تحقق له ذلك لأنه كان يدرك تمام الإدراك قيمة الجسد فوق الخشبة، ودوره الفعال في إثارة الجمهور وإمتاعه، يقول الدكتور حسن المنيعي عن التعبير الجسدي في المسرح: “وعليه، فإذا كان الاحتفال هو أصل المسرح، فلأنه اعتمد حركات الجسد وطاقاته للتعبير عن كينونة الإنسان وعن شعوره أو لا شعوره. لهذا أدرك باختين BAKHTINE أهمية الاحتفال في شكله الكرنفالين حيث اعتبره الشكل الأول والدائم للحضارة الإنسانية يستوعب جوهر الثقافة الشعبية، كما ادرك جان دوفينو J.DUVIGNAUD ما يقوم عليه من بعد مسرحي باعتباره كما يقول: دراما يموت فيها كل ما هو ساكن ولحظي، دراما تبحث عن الحقيقة في الجسد” . بهذا الصدد يقول عنه الدكتور عبد الواحد بويرية: “ويعد محمد بلهيسي موردا ترابيا نادرا، ونسقا في منظومة التراث، فهو بذلك ذاكرة تازة وموروثها، وثروة وطنية لا مثيل لها، جزء منه تراث لا مادي، ويشكل إلى جانب عناصر أخرى من التراث العيساوي، الدرقاوي..والفرق الفلكلورية المحلية … وباقي مكونات تازة التاريخية، عنصرا فعالا في التنمية المحلية التازية عامة والثقافة والفن خاصة” .
ويقول الدكتور إبراهيم عمري أن سبب عبور النصوص المسرحية وقابليتها لرؤى إخراجية، جاوزة للحقب والمحطات التاريخية المتعاقبة ليس لأنها تنشد العام والكلي بل لأنها من صدق التجربة الإنسانية وتخاطب الإحساس والقريب من الناس .
اختيارات جمالية:
أبان محمد البلهيسي على قدرات كبيرة في مجال الإخراج المسرحي عندما اعتمد تقتنيات فنية وجمالية أثثت أعماله المسرحية، منها:
- الديكورات الفخمة المرتبطة أساسا بالمعمار المغربي والعربي الأصيل، والألبسة التقليدية، دون إغفال الأغاني والمرددات المستوحاة من أزجاله، أومن القطع الغنائية التراثية المعروفة، مع السعي لإقحام الجمهور في الفرجة من خلال مشاركته في ترديد المقطوعات الغنائية.
- قدرته الكبيرة على إدارة الممثلين مهما بلغ عددهم، كما هو الحال في بعض الملاحم التاريخية التي أخرجها من قبيل “واحة الفرح” و “ليلية سمر في ضوء القمر”. ودائما مع مبدأ الامتلاء في عروضه المسرحية، نجده يعتمد تقنية الكتل المسرحية في مجال التشخيص، فهو لا يركز كثيرا على البطل الفرد، وإنما يركز على المجموعات والكتل، وهذا ما يفسر خلو مسرحياته من الممثل النجم، وبذلك فهو يركز على الفعل الجماعي، وعلى التنسيق بين كافة عناصر العرض لتحقيق التناغم والانسجام بينها. وأما الممثل، فبالرغم من أهميته، فهولا يشكل عنده إلا عنصرا وظيفيا ضمن ذلك النسيج الكامل والمتكامل. هذه القناعة عند البلهيسي جاءت من إيمانه بأن العرض المسرحي هو عمل جماعي متكامل، تشارك فيه عدة أطراف ومجموعة من الفاعلين من مؤلف ومخرج وممثلين وتقنيين، وهو ما يزكي البعد الاحتفالي في أعماله المسرحية والذي يتنافى مع الفردانية والنرجسية، ويعلي من قيمة الجماعة في صناعة الفرجة المسرحية.
وفي هذا الإطار، فإن البلهيسي باعتباره مخرجا، يتكئ في عروضه المسرحية على الحضور القوي للمادة على الخشبة، من ملابس وإكسسوارات وقطع ديكور، بعيدا كل البعد عن كل أشكال التقشف في تأثيث الخشبة، وهذا يختلف تمام الاختلاف عن الرؤى الجمالية الجديدة التي تعمد إلى تقليل الديكور إما بدافع الحداثة أو بدافع قلة الإمكانيات المادية. - من أهم ما يميز عروض محمد بلهيسي حوار المجموعات مع المجموعات أثناء تحريكها وله في ذلك تقنيات خاصة، ومهارات تؤثث الفرجة بجمالية الفرجة المرحة، كأن تنشد المجموعة قصيدة شعرية لها وزنها ولها قافيتها ولها تفعيلتها التي ستحمي وجودها في كيان الحوارات التي تحاكي القول والفعل شعرا ولحنا وإنشادا، وهو ما وطد علاقته بجمالية العرض الباذخ ونجاحه في إدارة الممثل داخل الجماعة، وإدارة الجماعة مع الجوقة.
- تفوقه في بناء الديكور بالأشكال والألوان التي تحيل على المدينة وعلى الحرف العربي وعلى المصطبات المربعة والمكعبة، فكان يحرك هذا الديكور ويغير من معناه، وكأنه يحرك المجموعات البشرية في تناغم آسر لأنها تمثل الجوقة التي هي بناء بشري يبني به أيقونة الجمال المطلق مع الجمال الدال للديكور. كما كان يغني الديكور باختيار الألبسة التراثية المستوحاة من الزي التقليدي المغربي.
- الفضاء: الركح هو المكان الذي يختاره البلهيسي، ولأنه فضاء بلا معنى، وساحة بلا دلالة فنية، لكنه يسخر الفضاءات المفتوحة في هذا الفضاء على كل محتمل دلالي ليكون الرحم الذي ستولد فيه الفرجة حين يعيد كتابة معناها بمعنى ما سيقوله العرض.
وفي الأخير فهذه الأستاذة بديعة الراضي تصفه بقولها محمد بلهيسي عاشقا للحرف والركح برؤيته الاحتفالية المنفتحة عل بيانات أخر في النصوص التراثية كما في الفكر الحداثي الإنساني وفي جماليات الكون بتأصيل يتنافى مع مفهوم التكوين، حيث يرحل بنا في إبداعه إل عوالم مختلفة دون أن يقيدنا في الزمن الخلفي إكراها أواستنباطا عل الذاكرة المنغلقة في العقل العربي الواقف في القرون الغابرة .
وختاما التمس من أستاذي العذر إذا ما أغفلت جانبا من الجوانب المضيئة في تجربته شاكرا لأساتذتي ممن أشادوا بسيرة الأستاذ محمد بلهيسي في كتاب الجماليات المسرحية في تجربة المخرج المسرحي محمد بلهيسي والذي نهلت منها هذه المقاربة التي أعتبرها اختزالا لما ذكر فيه.
ولو كان لنا من الوقت متسعا ومن الصحة قوة لما وقفنا عند هذا الحد ولأسهبنا في تفاصيل أكثر.
المعرض الجهوي للكتاب بالناظور
بتاريخ 20 دسمبر 2018





