” ريف رس ” 17 مارس 2024
بقلم الروائي والكاتب: مولاي الحسن بنسيدي علي
كانت علاقة عادية بكثير من الاحترام المتبادل سمعت منه شعرا قليلا في لقاءات عابرة ولم أستمتع بها إلا أن حللت ضيفا على صديقي القاص والكاتب محمد العتروس فقربني من مجلس شاعر محبوب مرح في مجالسته فأرخيت السمع لترانيمه العذبة وهو يتجول بي في حدائقه الشعرية الغناء لأقف معه على شاطىء بحر البسيط والطويل والكامل شدني بصوته المموسق ودندنة التقطيع الشعري
وبالرغم مما كنت عليه من تعب وإرهاق لم أغادر مجلسه بل اقتربت منه أكثر وكل مرة أردد لا فض فوك وحفظ الله لنا صوتك الجهوري
سلك سبيل الكبار في إبداعه بأسلوب سلس ممتع حتى يخيل لجليسه أنه أمام النابغة الذبياني أو المعري يخترق الحقبة الزمنية ويختزلها لنعرج سويا على ذكر بشارة الخوري وبدر شاكر السياب ومحمود عباس العقاد وغيرهم كثير
مر اليوم الأول فلم أشبع من فواكه القصيدة العمودية وقد ناخت ناقتي وكأنها تستبطؤني لأمكث ليوم آخر فأنهل من معين جليسي لوقت أطول
ترى من يكون؟ إنه فارس الكلمة بامتياز ومالك ناصية الشعر والعروض الأخطل كما يعجبني أن أناديه به إنه الشاعر عبد العزيز أبو شيار
كنت أتبين كلماته وصوره الشعرية الجميلة بكثير من الدقة والاهتمام فلم أجد بها لحنا ولا نشازا ولا خروجا عن مبنى القصيدة من أولها إلى آخرها تزيده ثقثه بنفسه وهو يقرأ ويتفاعل مع مقروئه بصوته وحركته فتأتي متناسقة وكأنها أزهار صففها عاشق بمرجه فانبثقت منها وريقات تفتقت إلى ورود جميلة بعطر طيب فواح يصيب منها المتذوق جليسه فتضفي على المكان روعة وتزيد الشاعر رفعة وقدرا
فلماذا أطلقت عليه إسم الأخطل؟ بالرغم من أن المصطلح اللفضي قد يكون له مرادفات في قواميس اللغة متباينا ويراه البعض أنه قدحا وليس مدحا في حق شاعر كبير بحجم عبد العزيز أبو شيار وقد يظن آخر أنني أنسبه للشاعر غياث بن غوث التغلبي المكنى أبو مالك الأموي وقد عرف عن هذا الأخير خلطه وسفاهة ومجون شعره وغلظة لسانه
ولكن اللغوي من يهتم بالمعاني ويصبر الشرح ويقف على المصطلح والمرادفات فيعرف أنني أقصد بالأخطل الجواد الكريم الذي يستعجل فعل الخيرات حتى أن يده السخية تسبق نيته وفعلا فإن أخطلنا عبد العزيز نراه كذلك
فمن نقصد بالأخطل؟ إنه من تربع عرش القصيدة العربية بشارة عبد الله الخوري بعد أحمد شوقي حتى لقب باسمه أمير الشعر العربي أو أمير الشعراء والمعروف بشاعر الحب والهوى والصبا والجمال وبالأخطل الصغير والذي اشتهرت قصائده بأغاني الموسيقار الراحل محمد عبد الوهاب والفنانة اسمهان والموسيقار فريد الأطرش- وصاحب أروع قصيدة سكنت وجدان وعقول الناس والمعروفة
.. عش أنت
عِشْ أَنْتَ إني مِتُ بَعْدَكْ
وَأَطِلْ إِلَى مَا شِئْتَ صَدَّكْ
كَانَتْ بَقَايَا لِلغَرَامِ
بمهجتي فَخَتَمْتُ بَعْدَكْ
أَنْقَى مِن الفَجْرِ الضَّحُوْكِ
وَقَدْ أَعَرْتَ الفَجْرَ خَدَّكْ
وَأَرَقُ مِنْ طَبْعِ النَّسِيْمِ
فَهَلْ خَلَعْتَ عَلَيْهِ بُرْدَكْ
وألذ مِنْ كَأْسِ النَّدِيْم
وَقَدْ أَبَحْتَ الكَأْسَ شَهْدَكْ
مَا كَانَ ضَرَّكَ لَوْ عَدَلْتَ
أَمَا رَأَتْ عَيْنَاكَ قَدَّكْ
وَجَعَلْتَ مِنْ جَفْنَيَّ مُتَّكَأً
وَمِنْ عَيْنَيَّ مَهْدَكْ
إِنْ لَمْ يَكُنْ أدبي فَخُلْقُكَ
كَانَ أَوْلَى أَنْ يَصُدَّكْ
أَغَضَاضَةً يَا رَوْضُ إِنْ
أَنَا شاقني فَشَمَمْتُ وَرْدَكْ
وهذه المكانة لم يتبوءها غير ثلاثة أحمد شوقي ومحمود عباس العقاد وبشارة الخوري
وعبد العزيز أبو شيار أراه بكل تواضع لا يقل في زماننا قدرا عن هؤلاء لو وجد الإنصاف من طرف المهتمين والنقاد وأصحاب الملكة والذوق الشعري بدلا من الانحياز إلى من أضحت تعج بضحالة خزعبلاتهم و بهم الساحة الأدبية والشعرية حتى أصبح كل من هب ودب يسمى بالشاعر ويُنثر عليه الألقاب مثل سلطان الشعر وسفيرة الشعراء وهلم جرا وقديما قيل- ما تجر إلا الدواب –
لا أنقم على أحد ولا أنتقص من قدر آخر ولكنني أدعو الباحثين إلى الاهتمام بمن لهم الملكة الشعرية ويأخذون بناصية الإبداع حتى لا ينطبق علينا القول المأثور مطربة الحي لا تطرب
ونفتح نافذة لنطل على أزهار حديقته الغناء ونتنسم شذاها من خلال عبير قوله:
فُكّي عِقال رؤى من ظُلمة النّكدِ
إني أعيش زمان الشعر للأبدِ
الشعرُ يسكنني والقلب أرهف مِنْ
قلب الأمومة إذْ تحْنو على ولدِ
وللجمال أنا للفن ينطق منْ
إلهامه طربا من دهشة الأبدِ
كأس مشعشعة للشعر مترعة
كأن واردَها ظمآنُ لم يَرِدِ
قد كنت أحسب أن الحلم بعد غدٍ
حتى تبخَّر هذا الحلمُ قبل غدي
مازال بعضُ عبير الزهر أُرسلهُ
في صفحة جمعتْ ما دار في خَلدي
بيني وبينك غاباتٌ لنا بسطتْ
بالنهر أذْرُعَها في ضِفّتيْ وَسَدي
إني وزنتُ بكِ الدنيا بأكملِها
أنت القصيدةُ لا ثنتان في العددِ.
قد يظهر الشاعر بنوع من الوثوق والاعتداد بنفسه بنرجسية محمودة وليس التباهي المدموم فقد كتب الشعر صغيرا و جالس الشعراء والأدباء ولاحق مجامعهم ذكر لي حين سألته متى ابتدأت علاقتك مع الشعر لوح بيده وأشار بإبهامه إلى الوراء في إشارة إلى الماضي البعيد وعمره لا يتجاوز الثلاثة عشر أو يزيد قليلا
وحين يذكر في مطلع قصيدته حكايته بالشعر يقول:
إني أعيش زمان الشعر للأبد
الشعر يسكنني والقلب أرهف من
قلب الأمومة إذ تحنو على ولد
والكثير من فحول الشعر وناظميه كان لهم هذا الاعتزاز واذا كان لكل زمان رجاله فإن للبيان وللجمال شعراؤه
وقد نجد لهذه القصيدة تناصا جميلا في معنى علاقة الشاعر بالشعر والذى يقرنه بعشقه لحبيبته فنقرأ ذلك في رائعة أحمد رامي :
شاعر يطلب السمو على اج
-نحة الشعر في سماء الخيال
ويرى المجد في الخلود بماغ
نى فغنى به فم الأجيال
لا يبالي إذا تبسم ثغر العي
ش أم عبست وجوه الليالي
يستمد المعنى الجليل من الد
نيا تراءت له بكل المجالي
والشاعر هو من يجود بما عنده فينثره كيف يشاء وعلى من يشاء بأسلوب شاعري سلس جامع للمرامي، مشبع بالصور الجمالية التي تشد القارئ فيستطعمها فاكهة حلوة المذاق
وإن زهو الشاعر عبد العزيز أبو شيار “الأخطل ” بشعره راجع لإيجادته للعروض وحبه للشعر وهو الذي خبر دروبه ومسالكه ووقف على شعر القدامى والمعاصرين يحفظ من شعر العرب قبل الإسلام معلقاتهم وفي عهد البعثة أجود المصنفات وفروعها.. لحسان ابن ثابت وكعب بن زهير والخنساء ..مرورا بالعصور الموالية إلى زماننا هذا وهو الظامئ إلى خمرة الشعر المنعشة يقول :
كأس للشعر مشععة مترعة
كأن واردها ظمآن لم يرد.
وهذا ليس بغريب على شاعر شب طوقه على الشعر ونظمه وهو ابن ثلاثة عشر سنة وهام حبا فيه إلى أن أصبح أستاذا للأدب العربي يلقنه تلامذته ويحببه إليهم؛ فصار منهم الشاعر والروائي والكاتب ومنهم من تبوأ أعلى المراتب في الجامعات والكليات.
والشاعر عبد لعزيز أبو شيار فنان بطبعه إلى جانب ولهه بالشعر فله ولع بالموسيقى لا يفارقه الوتر وأصابعه أخف من ريشة وهو يعزف على عوده، يتغنى به ويغنى له يهتز عند سماعه لحركة موسيقية أو لنفخة ناي؛ وقد أبدع في وصفه الدقيق الجميل لقصبة شيخ الزجالين محمد اليعقوبي الذي سحره بشدوه وقد جاء مطلعها:
نايات الروح
سمعتُ من قصب ما أمره عجبُ
مبحوحة وبها النايات تنتحبُ
الريح قد نفخت في جوفها نفَسا
سُلافة لأنين الروح يا طربُ
تجلو الهموم بقلب ناء حاملُهُ
طابت بها مُهَجٌ وفُرّجتْ كُربُ
يا قصْبة آنستْ ليلا يُسامرني
أقماره رقصتْ وانْزاحت الحُجُبُ
كأنما وهبَتْها الريح دفْقَتَها
فيضا يرشُّ سماء كلّها شُهُبُ اعزِفْ لُحَيْنَك يا شيخا بحلقتنا
عاوِدْ حنين فؤاد هَدّهُ التعبُ
وانفخْ بروحك إن الريح ضائعة
فلا حديث سوى ما قاله القصبُ
والشاعر هو من لا يفوت فرصة يلتقط الأحداث والمواقف بأمانة يتفوق على ٱلة التصوير بالاحساس المرهف والمشاعر الجياشة وأبو شيار يكتب بإسهاب والقصيدة أعلاه من خمسين بيتا جاءت على بحر البسيط
مُسْتَفْعِلُنْ فَاْعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ فَاْعِلُنْ ..مُسْتَفْعِلُنْ فَاْعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ فَاْعِلُنْ
وفي هذا يقول القاص والكاتب الأستاذ محمد العتروس:
(إن الشعر الحقيقي في عرف الشاعر أبي شيار هو شعر يمتلك رؤية وموقفا من الحياة والانسان والكون والأشياء، وهو شعر يعترك في خضم هذه الحياة يقاتل ويقاوم ويسائل ويسأل ويغضب ويفرح ويغني ويطرب وهو شعر حيوي يتغير دائما من ناحية الشكل كما من ناحية المضمون وهو شعر التزام كذلك؛ التزام بالقضية السامية القضية الفلسطينية وبالقضايا الانسانية العادلة؛ قضية الانسان المظلوم والمقهور والكادح ) انتهى
إنه شعر منفتح على مواضع كثيرة ولا يسثنى منها قصائد الغزل الذي خصه بأسلوب سلس عذب جميل على شاكلة من سبقوه ممن خبروه وعاشوا تجربته بما فيها من حلاوة ومن مرارة لو كان لي من الوقت متسعا ومن الصحة قوة ما وقفت عند هذا الحد، ولأسهبت فيه محللا ومدققا وواقفا على مبناه ومعناه؛ والتمس العذر من شاعرنا الأخطل ومن قرائنا وأدعوهم لتنسم عطر شدى حروفه وتشنيف مسامعهم بأرق نغمات عوده وأجمل ألحانه.






