
” ريف رس ” 13 فبراير 2020
أنجزت / الحوار حياة جبروني
إنها اغتراب يسعى للوصول إلى المثالية، تحمل ألم وأمل بين ضلوعها، حفرت في أرضها الموجوع شعرا تحت وطأة تلبية حاجات مشاعر وأحاسيس وانفعالات زفره قلبها الموجوع ينزف دما يسري في نصوصها إرواءً لأرض الشهداء.
إنها سفيرة السلام والحرية، الشاعرة القادمة من حيفا إلى وجدة حاملة هموم أمة تعاني التسلط والاستبداد والمؤامرات والصفقات آخرها، الصفقة المشؤومة التي أطلق عليها “صفقة القرن” والتي تزامنت زيارتها مع احتجاجات حاشدة بالعاصمة الرباط رافضة التسليم بكل المطالب الصهيونية التوسعية التي أرادت إقفال القضية الفلسطينية.
كان لنا لقاء وحوار مع الشاعرة الحيفاوية شادية حامد، الباحثة عن الشجن وكرم الروح والفكر والجمال والتواقة إلى العدل والحرية، ليس من قبيل الصدفة، ولكن لما لامسته عن هذه الشخصية الفريدة التي نجحت في تكسير الصورة النمطية للمرأة السائدة في الذهن الإنساني والانتهاك المفروض على النساء في العالم العربي. شخصية تحدت كل أنواع القيود وكل أنواع القمع والاستبداد، شخصية تحدت الرصاص والموت، شخصية صنعت كينونتها ووجدانها من عمق تصور ورؤى عرجاء جرت المرأة إلى الخلف والتخلف.
س: من هي الشاعرة شادية حامد القادمة من أرض الشهداء فلسطين؟
ج: أهلا وسهلا ومرحبا بكم قارئين ومستمعين. أنا شبيهة بإنسان بسيط، إنسانة فلسطينية من حيفا تربت على العزة والكرامة، أنتمي إلى عالم الشهداء. جدي شهيد وجدتي بطلة رفضت مغادرة حيفا، تشبتت بالأرض رغم كل المخاطر والظروف الصعبة. شادية سفيرة الراية المغربية للسلام والتعايش، شاعرة ومترجمة وباحثة في الأدب العربي وفنانة ومديرة عيادة للسكري، درست اللغة العربية أدب ونقد من جامعة هاردر في الأدب العربي وأحضر للدكتوراه فأنا حاصلة على خامس لقب أكاديمي.
شادية زوجة لطبيب أخصائي في الكبد أم لثلاث طبيبات ومحامية ولي أحفاد. أعيش في حيفا، لكن اهتمامي اليوم حول الشعر والفن.

س: ماهي أكثر الحالات التي تلح على الشاعرة شادية لكتابة الشعر، هل حالة حزن أو نشوة أو إحباط أو أنت في حالة شرود؟
ج: الشاعر حسب رأيي له شخصيتين: شخصية متواجدة مع المحيط والبيئة والأشخاص المحيطين به، وشخصية أخرى خلفية وباطنية أكثر، وهي في حالة شرود دائم. برأيي أن كل شاعر يخفي شخصية أخرى ليست شاردة فحسب بل شخصية مفكرة تحمل هموم ومعاناة أمة، فالشاعر مقرون بالالتزام، كلمته كلمة شرف، وحرفه أصالة مسخرة لخدمة الوطن والأمة. فالالتزام قرين الشعر.
س: ما هي القصيدة التي نحتّ كلماتها وأنت في أحلك حالات التذمر وأضيق أيام مرت عليك؟
ج: ليست قصيدة واحدة ولكن قصائد، فالحزن عامل كبير في إخراج ما بداخلي من ألم وأمل.
أروي لك حادثة واقعية كانت وراء تجربتي الشعرية: حيفا اليوم تحت الاحتلال لم تعد فلسطينية حثة، ولكن نحن بقينا فلسطينيين. ذهبت يوما إلى الأحياء القديمة الآيلة للسقوط، وكانت مسيّجة، تسللت إلى أحد البيوت كان مسوّراً بالأسلاك الجارحة ومع ذلك استطعت الدخول، وإذا بي أكتشف أن هذا البيت كان لرئيس بلدية عربي فلسطيني في حيفا. تأملت بدقة ما بداخل البيت من زخارف وألوان ونقوش، فتدفقت حينها دموعي وفاض بي الحزن والوجد إلى تلك الفترة الجميلة، لم أستحمل الموقف المؤلم وتذكرت جدتي البطلة “صفية” التي بفضلها بقينا بحيفا في الوقت الذي فرّ فيه كل الفلسطينيين تحت قصف وذبح ممنهج، عجل بتهجيرهم، خرجت من البيت وأنا أبكي وبقي قلبي يبكي إلى اليوم. فكانت هذه المناسبة الحزينة بداية لحياتي الشعرية كتبت على إثرها نصا بعنوان “حيفا دمعتي الحزينة”.
س: الشواعر والشعراء كثر في المغرب والوطن العربي، ما هي الأسماء التي أخذت بجماع محبة الشاعرة في تفضيلها لقبيلة الشعراء؟
ج: كل الشواعر والشعراء على عيني وراسي، كل من حاول كتابة الشعر يعني بداخله إحساس وتفكير ورؤى. أما بخصوص قيمة النص فهذا من اختصاص النقاد ومع ذلك أحيي فيهم روحهم الشعرية ولكن أستحضر الآن بعض الأسماء الجميلة القديمة مثل الخنساء والمتنبي، أما بالنسبة للفلسطينيين من تركوا أثرا في نفسي هي فدوى طوقان وشقيقها الشاعر ابراهيم طوقان ومعين بسيسو ومراد السوداني… وفي المغرب أعشق أسماء كثيرة وجميلة جدا من بينها أمينة لمريني والمرحوم عبد السلام بوحجر كما أعشق حرف وشخص الشاعر الكبير محمد علي الرباوي كذلك أحمد بلحاج آيت وارهام ومليكة العاصمي… هذه أسماء شريفة وجميلة، يتمنى المرء أن يحذو حذوها ويتشبه بها.
س: هل انحرف الشعر عن مساره الإنساني والروحي وسلك طريق الشهرة والبهرجة والتنافس والتباغض متناسيا رسالته السامية؟
ج: سأجيبك بصراحة، فمعذرة لأني سأغضب البعض، فرأيي الخاص، ليس هناك أجمل من لغة الضاد، فنحن محظوظون كوننا مسلمين نقرأ المصحف الكريم تعلمنا لغة قريش وتشرفنا بذكر مفرداتها. ثم تجدد الشعر وتطورت القصيدة من النثر إلى التفعلة إلى الشعر الحر. أكل هذه النعم التي نحظى بها، بدل أن ننتج ونبتكر، فقط نقلد ونستهلك؟ فمثلا ومعذرة للبعض، ما علاقتنا بالهايكو، رغم أنه يباني، لكنه في الأصل صيني، هو نوع من الكتابة متكون من 14 حرفا ثم 7 حروف ثم 14 حرفا شريطة أن يتحدث فقط عن الطبيعة، وهنا يحضرني سؤال، هل انتهت الهموم والالتزامات والأزمات لكي فقط يُكتب عن فراشة أو نهر أو شجرة…؟ وعلاقة بالموضوع سألت أحد أعمدة النقد العربي والمشرف على رسالتي الدكتوراه عن رأيه في شعر الهايكو، أجابني بالحرف، يا شادية هذا ليس شعرا.
وفي معرض كلامها ألحّ علي سؤال لطالما راودني، فقطعت حديثها وسألتها، هل للنقد دور في تبخيس عملية الكتابة، هل أصبحنا نعيش أزمة نقدية، هل النقد فقد أهم ضوابطه المعيارية التقييمية؟
أجابت: “حضرت مؤخرا معرض كتاب يقيم جلسة عن الهايكو استغربت واستهجنت الأمر، مع أن المغرب يتوفر على قامات نقدية كبيرة جدا مقارنة مع الشرق لانفتاحهم على الثقافة الغربية. فالنقد في المغرب أقوى منه في الشرق، أصبحنا نحن المشارقة نبحث ونقتني في المغرب الكتب وندرس أسس النقد واللسانيات والسميائيات.
س: كيف يمكن لشادية حامد أن تفصل بين عملها الأسري والإداري وبين عشقها للفن والإبداع وهل يطغى مجال على آخر؟
ج: من ناحية يطغى، فهو يطغى. فأنا جدة لثلاث أحفاد، لدي مكتبة، ولكن يتعذر علي الكتابة وسط العائلة أحفاد وضيوف ومطبخ واشتغالي في العيادة لوقت طويل ووووو. فمسؤوليتي كربة بيت كبيرة وثقيلة، لكن رغم ذلك أحاول أن أبدع من خلال هذا الجو الصاخب ورغم كل ذلك يبقى وجدان الشاعر حاضرا.
س: هل الشعر الذي يولد من رحم المقاومة تحت الصواريخ والقمع والقتل واليتم والترمل، كالشعر الذي يعش السلم والهدوء وأحيانا الرتابة والركود؟
ج: الشيء الذي يصنع الشعر هو الألم، فالألم أكبر من الأمل، والمعاناة تغسل الصدور وهذا الغسيل هو الذي ينتج المفردات باسترجاع الحزن والألم الذي يظهر على الورق. هذا هو الشعر في نظري أضف عامل الحب كيفما كان نوعه فالكون قائم على الحب الإلهي فتواجد الحب إلى جنب الألم هو من يجعل الشعر يظهر على الورق.
س: من هي المرأة التي كسرت طابوهات الأدب النسائي؟
ج: أحتفظ لشخصية أدبية وروائية عظيمة جدا، وهي خناثة بنونة. هذه السيدة استثنائية في العالم، هذه السيدة، ولدت مع كل ما في النساء من جمال ومع كل ما في الرجال من صرامة، هذه السيدة تدين لها فلسطين بأسرها، هذه السيدة طوال عمرها كانت مناصرة للقضية الفلسطينية ولفلسطين، وأنا أتكلم عن هذه السيدة أحس برغبة شديدة في البكاء، أتذكر جيدا عندما حازت على جائزة “القدس”، تبرعت بكل ريعها لأجل أطفال الحجارة، هذه السيدة تبرعت بكل ما تملك لفلسطين ولأطفال فلسطين، هذه السيدة أغمي عليها في فلسطين من قهرها وشدة حزنها على الوضعية اللاإنسانية للفلسطينيين، هذه السيدة أزيل قبعتي احتراما وأنحني أمامها أنا وفلسطين. هذا هو رمز المرأة التي كسرت كل الطابوهات.
س: هل ترين أن المرأة العربية ما تزال تعيش تحت سياط التقاليد والتمييز التي تحد من انعتاقها من القيود البالية؟
ج: سأعطيك معطى من وطني خلال إحصائيات طبية باعتباري مديرة عيادة، أن أقصر عمر من حيث سنوات الحياة هو عمر المرأة العربية الفلسطينية، بسبب قهر الاحتلال، بسبب ما فرض عليها من تقاليد، بسبب قهر الرجل للمرأة وكذلك في العالم العربي. فالمرأة لا تستطيع أن تعبر عن رأيها ورفضها تُقمع باسم الدين وباسم التقاليد، المرأة العربية يلزمها آلاف السنين حتى تتحرر، فالتحرر الذي أتحدث عنه ليس بمعناه الانحلال والميوعة، بل التحرر كمخلوق له الحق في أن يعيش بكرامة، فهذه المرأة عليها أن تكون حرة لتنشئ أجيالا حرة وإلا لن تنتج سوى عبيد طالما لا يُنظر للمرأة إلا من زاوية العبودية لتظل العقدة بداخل الرجل
س: هل يمكن حضور الشاعرة شادية في الساحة الأدبية أن يحقق ذاته بمعزل عن القضية الأم فلسطين؟
ج: حتى لو حاولنا، سيبقى الشاعر منتصرا ووفيا لوطنه لأن كلامه يخرج من الوجدان المعجون بفلسطين حتى لو كُتبت القصيدة عن الحب في النهاية نكتشف أن هذا الحب أو العشق ما هو إلا حب الوطن وعشق الموطن الأصلي.
س: على ذكر الوطن والقضية الفلسطينية، هناك بعض الفنانين المغاربة، موسيقيون، وتشكيليون… يشاركون في مهرجانات إسرائيلية تحت مظلة تعزيز التبادل الثقافي والانفتاح بين المغرب وإسرائيل فما رأيك؟
ج: كوني سفيرة الراية المغربية للسلام والتعايش وأيضا سفيرة السلام الفلسطينية، لست ضد السلام ولست ضد التعايش لكن مع احترام وتفاهم الجانب الآخر بضرورة حضور فلسطين في وجد الشاعر أو الكاتب أو الفنان. على المبدع العربي أن يبقى فلسطينيا داخل الذاكرة.
شخصيا لا يهمني أن يكون المهرجان إسرائيليا أو غير إسرائيلي، المهم أن يُذكر اسم فلسطين وأن يُبقي فلسطين حتى في لب العدو أن يحط فلسطين حتى في بيت المحتل. نعم أذهب إلى إسرائيل وأضع الصورة وأقول فلسطين، نعم أذهب إلى عُقر دار العدو، وأتحدث عن فلسطين، ولكن إذا غُيّبت فلسطين وقضيتها، فأعتبر ذلك تطبيعا، أما المشاركة من أجل فلسطين فأعتبره شجاعة كبيرة.
س: بما أن الشيء بالشيء يُذكر والمناسبة شرط، كمبدعة فلسطينية وكإنسانة قريبة من الوجع والهم الفلسطيني ماذا تقولين عن “صفقة القرن”؟
ج: إنها “صفاقة القرن” وليست صفقة، ترامب يستطيع فعل كل شيء وأي شيء من هذا القبيل، إنها فقط صفاقة لا يمكنها أن تلغي كل ما هو راسخ وثابت، لا يمكنها أن تلغي قرارات وإرادات، لا يمكن أن تلغي شعبا بأسره مؤمن بقضيته حتى الموت.
س: آخر كلمة لوجدة وأهلها وانت تشدين الرحال لفلسطين؟
ج: أقول لوجدة ولأهل وجدة، أني قدمت بكل وجد، وما جذبني إليها كان الوجد، وعلى الوجد أودعها، وعلى الوجد دائما أبقى على صلة مع المغرب، وطالما هناك وجد، فدائما فيه شوق والشوق دائما يصبو إلى اللقاء وإنشاء الله الله ينصر المغرب والوطن والملك والراية المغربية.






أحييكم على هذا الحوار الهادف تصريحات وحقائق في غاية الأهمية ونقاش واسع وعميق والشاعر يجرى مع الشاعرة الفلسطينية الإنسانة الإحساس شادية حامد