” ريف رس” 20 اكتوبر 2026
جمال الغازي
تعد هجرة سكان منطقة الريف بالمغرب إلى الجزائر من الظواهر المهمة في تاريخ المغرب الكبير خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. فقد ربطت هذه الهجرة مناطق الريف بمدن ومناطق جزائرية متعددة، وأسهمت في تشكيل علاقات اقتصادية واجتماعية تجاوزت الحدود السياسية التي فرضها الاستعمار. وكانت الهجرة في جانب كبير منها عمالية وموسمية، إذ سافر الريفيون بحثا عن العمل والأجور، ثم عاد كثير منهم إلى قراهم. واستمرت هذه الحركة من النصف الثاني للقرن التاسع عشر إلى استقلال المغرب سنة 1956، وفق الفترة التي تناولتها دراسة المؤرخ ميمون أحمد عزيزة.
ارتبطت الهجرة أساسا بصعوبة الظروف الاقتصادية في الريف. فقد اعتمد السكان على الزراعة وتربية الماشية، لكن ضعف المحاصيل وعدم انتظام الأمطار والأزمات الغذائية جعلت موارد كثير من الأسر غير كافية لتلبية احتياجاتها. ودفعت هذه الظروف العمال إلى البحث عن دخل نقدي خارج مناطقهم، خصوصا في الجزائر التي وفرت فرصا للعمل في الزراعة والكروم والبناء والأشغال العمومية والموانئ. وهكذا نشأت الهجرة من تفاعل عوامل الطرد الاقتصادي في الريف مع الطلب على اليد العاملة في الاقتصاد الجزائري خلال الحقبة الاستعمارية. وتشير دراسة عزيزة إلى أثر الأزمات الغذائية في زيادة حركة الهجرة، وتبرز سنة 1941 بوصفها سنة ارتبطت في الذاكرة الريفية بالجوع وصعوبة المعيشة.
سلك المهاجرون الريفيون طريقين رئيسيين للوصول إلى الجزائر: الطريق البري والطريق البحري. كان الطريق البري يمر عبر مناطق شرقي المغرب، ولا سيما ممرات ملوية وبركان، ثم يتجه نحو الجزائر. وتورد دراسة عزيزة بيانات عن حركة العمال عبر هذا المسار خلال سنة 1931. أما الطريق البحري، فاعتمد بدرجة مهمة على ميناء مليلية والرحلات المتجهة إلى وهران وغيرها من الموانئ الجزائرية. وتوثق دراسة محمد أحميان اتصالات بحرية تعود إلى منتصف القرن التاسع عشر، منها واقعة سنة 1852 تتعلق بمركب تجاري كان متجها من منطقة قلعية إلى وهران. وتدل هذه المعطيات على أن الهجرة اعتمدت على شبكة من المسارات البرية والبحرية، وأن التنقل بين الريف والجزائر كان جزءا من علاقات اقتصادية أوسع.
يصعب تحديد العدد الإجمالي للريفيين الذين هاجروا إلى الجزائر بين 1850 و1956، لأن بعض الإحصاءات يسجل حركة الدخول والخروج، بينما تتناول أخرى العمال الموسميين أو فترات زمنية محددة. وتورد دراسة أحميان رقما قدره 7706 عمال مغاربة دخلوا من وهران سنة 1882، وكان معظمهم من سكان الريف، وفق المرجع الذي ينقله. ولا يمثل هذا الرقم مجموع المهاجرين إلى الجزائر، لأنه لا يشمل بالضرورة جميع الموانئ والمعابر. وتشير دراسة عزيزة إلى مشاركة عدد من القبائل الريفية في الهجرة، من بينها بني توزين وتمسمان وبني سعيد وتافرسيت وبني وليشك ومطلسة وبني بويحيى وكبدانة. وقد اختلفت مساهمة هذه المناطق باختلاف فرص العمل والظروف الزراعية وطرق السفر. كما كانت حركة الهجرة موسمية في جانب كبير منها، ولذلك لا يجوز مساواة عدد الرحلات بعدد المهاجرين الفعليين أو بعدد المقيمين الدائمين في الجزائر.
تركزت الوجهات الأكثر وضوحا في المصادر المتاحة في الغرب الجزائري، ولا سيما وهران وتلمسان وسيدي بلعباس وأرزيو وعين تموشنت. وقد ارتبطت هذه المناطق بالموانئ والأنشطة الزراعية والكروم والأشغال العمرانية. كما تشير الدراسات إلى وجهات في الوسط الجزائري، منها الجزائر العاصمة والبليدة، وإلى امتداد الهجرة نحو شرق الجزائر، حيث ترد سكيكدة ضمن الوجهات المرتبطة ببعض العمال القادمين من بني توزين. ومع ذلك، تظل المعلومات المتاحة عن حجم الهجرة إلى مدن الشرق الجزائري أقل تفصيلا من المعلومات المتعلقة بالغرب، ولا تسمح الأدلة الحالية بتحديد أعداد دقيقة للريفيين في سكيكدة أو عنابة أو قسنطينة أو تبسة أو سوق أهراس.
اشتغل المهاجرون الريفيون في مجموعة من المهن، أهمها حرث الأرض والحصاد وجني العنب والدرس، إلى جانب البناء والأشغال العمومية وبعض الأعمال المرتبطة بالموانئ. وكانت الهجرة الزراعية مرتبطة بمواسم الإنتاج؛ إذ يسافر العمال عندما يزداد الطلب على اليد العاملة، ثم يعود بعضهم إلى قراهم للمشاركة في الأعمال الزراعية المحلية. كما اعتاد بعض العمال العودة إلى أصحاب العمل أنفسهم في مواسم متعاقبة. وتكشف هذه الممارسات عن وجود معرفة متراكمة بفرص العمل ومواسمه وطرق الوصول إليه. وفي المقابل، ارتبطت الهجرة بالعمل الشاق والبعد عن الأسرة وعدم استقرار الدخل، ولا سيما لدى الذين اعتمدوا على العمل الموسمي وحده.
ومن الضروري التمييز بين العمال الذين كانوا يسافرون إلى الجزائر ثم يعودون إلى الريف، والذين أقاموا فيها فترات طويلة بصورة متكررة، والذين استقروا نهائيا وأنشؤوا حياة أسرية ومهنية فيها. وتشير الدراسات إلى أهمية الهجرة الموسمية، لكنها لا توفر تعدادا شاملا يحدد نسبة العمال الذين استقروا بصورة دائمة. لذلك لا تعكس أعداد المسافرين بالضرورة عدد المقيمين، كما أن تكرار الرحلات لا يعني ظهور مهاجرين جدد في كل مرة.
وفرت الهجرة موردا نقديا مهما للأسر الريفية، إذ ساعدت الأجور التي حصل عليها العمال في الجزائر على شراء الحاجات الأساسية ومواجهة ضعف المحاصيل والأزمات المعيشية. كما وسعت الهجرة صلات سكان الريف بالأسواق والعمل المأجور خارج مناطقهم. لكنها لم تنه هشاشة الاقتصاد الزراعي، بل كانت في كثير من الحالات وسيلة للتكيف مع صعوباته. وكان لهذه الحركة جانب اجتماعي أيضا، إذ أمضى بعض الرجال فترات طويلة بعيدا عن أسرهم، واضطروا إلى الموازنة بين العمل في الجزائر ومسؤولياتهم الزراعية والعائلية في الريف.
جرت الهجرة في سياق الاستعمار الفرنسي للجزائر والحضور الإسباني في أجزاء من شمال المغرب. وقد أثرت المصالح الاستعمارية في حركة التجارة والملاحة والعمل، في وقت احتاج فيه الاقتصاد الجزائري إلى العمالة في الزراعة والأشغال المختلفة. ومن الشواهد المعاصرة التي تناولتها دراسة أحميان أخبار صحيفة El Telegrama del Rif الصادرة في مليلية، ومنها مادة تعود إلى مايو 1913 تتعلق بركاب باخرة Ramonita. وتساعد مثل هذه الأخبار على توثيق بعض الرحلات والأصول الجغرافية للركاب، لكنها لا تمثل تعدادا شاملا للمهاجرين. وتستند الدراسات كذلك إلى إحصاءات منطقة الحماية الإسبانية في المغرب وإلى مراجع عن العمال المغاربة في الجزائر، وهي مصادر تساعد على فهم تطور الهجرة، وإن كانت لا تحسم جميع المسائل المتعلقة بأعداد المستقرين الدائمين وتوزيعهم الجغرافي.
تكشف هجرة الريفيين إلى الجزائر بين 1850 و1956 عن ظاهرة تاريخية طويلة الأمد، نتجت من تفاعل الأزمات الاقتصادية في الريف مع فرص العمل في الجزائر خلال الحقبة الاستعمارية. واعتمدت هذه الهجرة على طرق برية وبحرية، وشملت قبائل متعددة، وارتبطت بمهن زراعية وعمرانية ومينائية. وقد ساعدت الأجور التي حصل عليها العمال في الجزائر على دعم أسرهم في الريف، بينما وفرت الهجرة للاقتصاد الجزائري جزءا من اليد العاملة التي احتاج إليها. ومع ذلك، لا تزال أعداد المهاجرين الإجمالية وحجم الاستقرار الدائم وتوزيع السكان بين المدن الجزائرية مسائل تحتاج إلى مزيد من البحث في السجلات التاريخية. وتمثل هذه الهجرة بذلك جانبا مهما من تاريخ العلاقات الاجتماعية والاقتصادية بين المغرب والجزائر خلال القرن الذي سبق استقلال المغرب.
المراجع:
1. Aziza, Mimoun Ahmed. “Contribución al estudio de la emigración rifeña a Argelia, 1852–1956.” Aldaba, no. 19, 1992, pp. 165–181.
https://revistas.uned.es/index.php/ALDABA/article/download/20250/16763
2. أحميان، محمد. «الطريق البحري للهجرة الريفية نحو الجزائر خلال النصف الثاني من القرن 19 وبداية القرن 20م». إنسانيات، العددان 69–70، 2015، ص 61–104.
https://insaniyat.crasc.dz/ar/article/altryq-albhry-llhjra-alryfya-nhw-aljzayr-khlal-alnsf-althany-mn-alqrn-19-wbdaya-alqrn-20m
3. Anuario Estadístico de la Zona de Protectorado Español en Marruecos, 1948–1949. Madrid, 1950.
4. Counil, M. Les travailleurs marocains en Algérie. 1952.







