” ريف رس” 24 شتنبر 2026
جمال الغازي
تأتي أغنية «إيسفوفيد أو عقا» من كلمات الشاعر الامازيغي الكبير سعيد الموساوي، وبأداء الفنان الماسترو ميمون الرحموني، لتقدم لنا عملا فنيا يتجاوز حدود الأغنية في مفهومها التقليدي، حيث تلتقي فيه قوة الكلمة بجمال اللحن وعمق الصورة، وتتداخل فيه الذاكرة والطبيعة والوجدان في بناء فني متكامل.
منذ البداية، يأخذنا العمل إلى أجواء هادئة وحزينة من خلال عزف يمهد للدخول في عالم القصيدة. إنه حزن هادئ لا يعتمد على المبالغة، بل يترك للموسيقى مساحة كي تهيئ المستمع لاستقبال كلمات سعيد الموساوي. ويبدو اللحن الجديد منسجما مع طبيعة النص وقوته، إذ لا يطغى على الكلمة، بل يرافقها ويمنحها بعدا وجدانيا اضافيا.
ويأتي أداء ميمون الرحموني متوافقا مع هذه الحالة. فهو لا يبدو وكأنه يؤدي الكلمات فقط، بل يعيشها ويتفاعل معها، وتظهر على ملامحه مسحة من الحزن والتأمل، وكأن القصيدة واللحن يستحضران في داخله تجربة تتجاوز مجرد الغناء. وهذا النوع من الأداء هو ما يمنح العمل صدقه ويجعل المستمع يتفاعل معه بعيدا عن الاستعراض.
ويضيف الفيديو كليب بعدا مهما الى الأغنية، بل يمكن القول انه يشكل نصا بصريا موازيا للنص الشعري. ومن أكثر مشاهده دلالة تلك اليد التي تمر فوق التربة في حركة تحمل الكثير من الحنان. إنها تذكرني بيد الأب حين يمررها على رؤوس أبنائه، بحثا عن دفئهم وتعبيرا عن تعلقه بهم. وفي هذا المشهد تصبح التربة اكثر من مجرد ارض؛ تصبح شيئا حيا تربط الإنسان به علاقة وجدانية عميقة، علاقة تشبه علاقة الأب بأبنائه.
وتتكرر صور البكاء في الكليب، وهي صور تنسجم مع الحالة العامة للعمل، وكأنها ترجمة بصرية للمرارة التي تحملها القصيدة، ولما يعيشه الشاعر والفنان معا من إحساس داخلي. وهنا تتكامل ثلاثة مستويات من التعبير: الشاعر يعبر بالكلمة، والفنان بالصوت والأداء، والصورة بما تحمله من دلالات.
وتحتل الطبيعة مساحة واسعة في هذا العمل. تساقط أوراق الأشجار، والقمر، والضباب، ومرور السحاب، والجبال، والسهول، ومشاهد الحصاد، وعروق الأشجار، كلها ليست مجرد صور جميلة مضافة الى الكليب، وإنما تبدو جزءا من لغته التعبيرية.
فتساقط الأوراق يمكن أن يحيل الى الرحيل والتحول، والضباب الى حالة من الغموض والحيرة، بينما تحضر الجبال والسهول باعتبارها مكونات اساسية للمكان والذاكرة. أما عروق الأشجار، بما تختزنه من معنى الجذور والامتداد، فتفتح بابا للتأمل في العلاقة بين الإنسان وأرضه، وفي الأشياء التي قد لا نراها لكنها تمنحنا القوة والاستمرار.
ومن اللافت ايضا حضور الحصاد، بما يحمله من دلالة على دورة الحياة؛ نهاية موسم وبداية مرحلة جديدة. وكأن العمل، رغم مساحته الحزينة، لا يغلق الباب تماما أمام الأمل.
وتأتي النهاية لتؤكد ذلك بوضوح. بذرة تبدو مهملة على سفوح الجبال، ثم تنمو شيئا فشيئا حتى تصبح شجرة قوية شامخة. إنها نهاية ذكية ومحمولة على قدر كبير من الرمزية. فبعد الحزن والبكاء وتساقط الأوراق والضباب، تأتي البذرة لتقول إن ما يبدو صغيرا ومهملا اليوم قد يحمل في داخله قدرة على الحياة والنمو والصمود.
ومن هنا تبدو الأغنية وكأنها تنتقل من الحزن الى الأمل، ومن الفقد الى الاستمرار، ومن البذرة الى الشجرة. وهي دلالة تمنح العمل بعدا انسانيا يتجاوز حدود التجربة الخاصة، لتلامس معنى البقاء والتشبث بالجذور والقدرة على النهوض من جديد.
أما كلمات سعيد الموساوي، فتمنح هذا البناء اساسه الشعري، بينما يمنحها ميمون الرحموني صوتا واحساسا وحضورا جديدا. وهذا اللقاء بين شاعر كبير وفنان له حضوره في الأغنية الريفية يستحق التوقف عنده، لان نقل القصيدة من فضاء الشعر الى فضاء الغناء ليس مجرد وضع لحن على الكلمات، بل هو إعادة خلق لها في قالب فني آخر.
وفي تقديري، تكمن قوة «إيسفوفيد أو عقا» في هذا التكامل بين العناصر. اللحن الحزين يخدم النص، والأداء يحمل الحالة الوجدانية، والصورة تفتح امام الكلمات افاقا جديدة، والطبيعة تتحول الى لغة بصرية موازية للقصيدة.
كما ان العمل يبرز الدور الذي يمكن أن يؤديه الفنان في الحفاظ على حضور اللغة والثقافة الريفية من خلال الابداع، لا من خلال الشعارات. فحين تتحول القصيدة الريفية الى عمل غنائي بصري يصل الى جمهور واسع، فإنها تحصل على حياة جديدة، وتصبح جزءا من ذاكرة فنية يمكن أن تنتقل الى اجيال لاحقة.
ومن هذه الزاوية، يستحق الفنان ميمون الرحموني التقدير على هذا الاختيار، وعلى منحه كلمات سعيد الموساوي فضاء جديدا للتلقي، كما يستحق الشاعر سعيد الموساوي التقدير على نص يثبت مرة اخرى قدرة الشعر الريفي على حمل المعنى والصورة والاحساس.

«إيسفوفيد أو عقا» ليست مجرد أغنية حزينة، بل عمل فني يدعو الى التأمل في الإنسان والأرض والذاكرة والزمن. تبدأ بنغمة هادئة، وتمضي عبر صوت حزين وصور الطبيعة والدموع، لكنها لا تنتهي بالانكسار؛ بل تنتهي ببذرة تتحول الى شجرة شامخة.
ولعل هذه الصورة الاخيرة تختصر اجمل ما يمكن أن يقال عن العمل: قد تسقط الأوراق، وقد يغطي الضباب الجبال، وقد تمر لحظات يبدو فيها كل شيء مثقلا بالحزن، لكن الجذور تبقى، والبذرة قادرة على أن تنمو من جديد.
تحية تقدير للشاعر الكبير سعيد الموساوي، وللفنان الغالي ميمون الرحموني، ولكل من ساهم في إنجاز هذا العمل الذي جمع بين قوة الكلمة، وصدق الاداء، وجمال اللحن، وبلاغة الصورة.






