” ريف رس ” 21 يوليوز 2026
بقلم : نبيلة هادفي
العدالة ليست مجرد نصوص تُكتب في القوانين، ولا أحكام تُصدر من خلف المكاتب، بل هي أمانة ثقيلة تتعلق بحياة البشر وكرامتهم ومستقبلهم. عندما يدخل إنسان قاعة المحكمة، فإنه لا يحمل ملفًا وأوراقًا فقط، بل يحمل خوفه، وأمله، وثقته بأن هناك من سيستمع إليه وينصفه.
لكن السؤال المؤلم الذي يراود كثيرين عند الشعور بالظلم ، كيف يستطيع من يملكون سلطة الحكم في مصائر الناس أن يناموا بهدوء إذا كانوا قد تسببوا في ظلم إنسان بريء؟ كيف يمكن لضمير أن يصمت أمام دمعة أم، أو ألم مظلوم، أو سنوات ضاعت بسبب قرار لم يكن عادلًا؟
القاضي لا يملك سلطة عادية، فكلماته قد تفتح أبواب الحرية أو تغلقها، وقد تعيد حقًا ضائعًا أو تزيد جرحًا لا يلتئم. لذلك فإن العدالة الحقيقية لا تحتاج فقط إلى معرفة القانون، بل تحتاج قبل ذلك إلى ضمير حي، وإحساس عميق بأن خلف كل قضية إنسانًا له قصة وحياة وأحلام.
إن أخطر ما يصيب القضاء ليس فقط الخطأ في تطبيق القانون، بل فقدان الإحساس بالإنسان الذي يقف أمام منصة الحكم. فحين يتحول الملف إلى مجرد أوراق، والمتقاضي إلى رقم، تصبح العدالة مهددة بأن تفقد روحها. القانون بلا رحمة وعدل داخلي قد يصبح أداة قاسية بدل أن يكون وسيلة لحماية الناس.
ولا يعني الحديث عن ظلم بعض الأحكام أن كل القضاة فاقدون للضمير، فهناك من يحملون رسالة القضاء بكل نزاهة وشرف. لكن مكانة القضاء العظيمة تجعل أي انحراف داخله أكثر خطورة، لأن الظلم الصادر ممن يفترض به حماية الحق يكون أشد وقعًا من ظلم عابر.
إن العدالة لا تُقاس بعدد الأحكام الصادرة، بل بمدى شعور الناس بأنهم سُمعوا، وأن حقوقهم لم تُهدر، وأن الحقيقة لها مكان في قاعة المحكمة. فالقاضي العادل لا يرى أمامه متهمًا أو مدعيًا فقط، بل يرى إنسانًا قد تتغير حياته بكلمة واحدة.
وفي النهاية، يبقى الضمير هو القاضي الأول داخل كل إنسان. قد ينجو المرء من رقابة البشر، وقد تُغلق الملفات، لكن سؤالًا واحدًا يبقى، هل كان الحكم عادلًا؟ وهل استطاع من أصدره أن يواجه نفسه عندما أغلق باب المحكمة؟
فالعدالة ليست مجرد حكم يُنطق، بل مسؤولية تُحمل، وأمانة تُؤدى، وميزان لا ينبغي أن يميل إلا نحو الحق.






