الرئيسية / فن و ثقافة / من وحي شرب القهوة الصباحية 
فن و ثقافة

من وحي شرب القهوة الصباحية 

2026-05-25 18:58 4 دقائق قراءة 0 تعليقات

” ريف رس” 25 ماي 2026

بقلم: جمال الغازي/ ألمانيا

يشكل الحديث عن واقع المسرح والثقافة بمدينة الناظور اليوم ضرورة ملحة، خاصة في ظل الحركية الفنية التي تعرفها المدينة خلال السنوات الأخيرة، وعلى رأسها المهرجان الدولي الاخير للمسرح بالناظور، الذي استطاع، بقيادة فاروق أزنابط حيث كنت تمنيت ان تشارك وجوه أخرى مثل فخر الدين العمراني، هذا المشهد أن يرسخ حضوره كواحد من أبرز المواعيد الثقافية بالمنطقة، وأن يمنح المدينة إشعاعا فنيا تجاوز الحدود المحلية نحو فضاءات وطنية ودولية أوسع.

لقد نجح هذا المهرجان في استقطاب تجارب مسرحية متنوعة، وفتح جسور للتواصل بين فنانين ومبدعين من ثقافات مختلفة، كما ساهم في خلق دينامية ثقافية مهمة أعادت للمسرح جزءا من حضوره داخل المشهد المحلي. وهي جهود تستحق التقدير والإشادة، لأنها تؤكد أن الناظور قادرة على احتضان مشاريع ثقافية ذات قيمة ورؤية.

غير أن نجاح أي مهرجان لا ينبغي أن يحجب عنا الأسئلة الحقيقية المرتبطة بمستقبل المسرح والثقافة بالمدينة. فالمهرجانات، مهما بلغت أهميتها، تظل محطات زمنية محدودة، بينما النهضة الثقافية الحقيقية تقوم على التراكم والاستمرارية وبناء المؤسسات.

ومن هنا تبرز الإشكالية الكبرى التي تعيشها الناظور: كيف يمكن الحديث عن مشروع مسرحي متكامل في مدينة ما تزال تفتقر إلى قاعات مسرح مجهزة، وإلى مراكز تكوين متخصصة في الفنون؟ وكيف يمكن إنتاج جيل مسرحي محترف في غياب فضاءات تحتضن المواهب الشابة وتصقل قدراتها بشكل مستمر؟

إن المعضلة الثقافية في الناظور لم تعد مرتبطة فقط بتنظيم المهرجانات، بل بغياب بنية ثقافية متكاملة تجعل من الفن جزءا من التنمية المحلية، لا مجرد نشاط موسمي عابر. فالمسرح لا يولد فوق الخشبة فقط، بل يبدأ من التكوين، ومن الورشات اليومية، ومن القراءة والتجريب والاحتكاك المستمر بالتجارب الفنية.

كما أن غياب التقييم المؤسساتي بعد انتهاء كل دورة من المهرجانات يظل من أبرز النقاط التي تستوجب المعالجة. إذ من غير المقبول أن تنتهي التظاهرات الثقافية دون إصدار تقارير توثيقية دقيقة ترصد النجاحات والإخفاقات، وتقف عند الاختلالات التنظيمية والفنية والإعلامية، حتى يتم تفادي تكرارها مستقبلا. فالثقافة التي لا تمارس النقد الذاتي تبقى رهينة التكرار، مهما حققت من نجاحات ظرفية.

ولعل ما تحتاجه الناظور اليوم ليس فقط المزيد من المهرجانات، بل رؤية ثقافية شاملة تجعل من المدينة قطبا فنيا حقيقيا بالجهة الشرقية، خاصة أنها تمتلك من المؤهلات البشرية والثقافية ما يسمح بذلك. فالناظور تزخر بطاقات شابة في المسرح والسينما والإعلام والفنون التشكيلية والموسيقى، لكنها غالبا ما تشتغل بإمكانيات محدودة واجتهادات فردية، بسبب غياب التأطير والدعم والتكوين المستمر.

ومن هذا المنطلق، يصبح من الضروري الانتقال من مرحلة تنظيم التظاهرات إلى مرحلة بناء المؤسسات الثقافية القادرة على الاستمرار والإنتاج.

ومن بين الحلول الواقعية الممكنة التي يمكن أن تشكل بداية حقيقية لهذا التحول:

أولا، العمل على إنشاء مركز جهوي للفنون والمهن الثقافية بالناظور، يضم فضاءات للتكوين المسرحي والسينمائي والموسيقي، ويحتضن ورشات في التمثيل، والإخراج، والسينوغرافيا، والكتابة المسرحية، وتقنيات الصوت والإضاءة والتواصل الثقافي. فمثل هذا المشروع لن يخدم الناظور وحدها، بل يمكن أن يتحول إلى قطب ثقافي للجهة بأكملها.

ثانيا، تأهيل القاعات والفضاءات العمومية الموجودة بدل انتظار مشاريع ضخمة قد تتأخر لسنوات. فالكثير من دور الشباب والمؤسسات الثقافية يمكن إعادة تهيئتها وتجهيزها بشكل يسمح باستقبال العروض المسرحية والتداريب والأنشطة الفنية بشكل دائم.

ثالثا، تحويل المهرجانات إلى مشاريع ثقافية مستمرة طيلة السنة، عبر تنظيم لقاءات شهرية، وورشات تكوينية، وإقامات فنية، وندوات فكرية، وعروض مدرسية وجامعية، حتى يبقى الفعل الثقافي حاضرا داخل المدينة بشكل دائم، لا موسميا فقط.

رابعا، إحداث آلية واضحة للتقييم والتوثيق بعد كل دورة من المهرجانات، من خلال إعداد تقارير مهنية تحفظ في الأرشيف الثقافي للمدينة، وتتضمن الإحصائيات، ونسب الحضور، ونقاط القوة والضعف، والتوصيات المستقبلية. فالتوثيق ليس ترفا إداريا، بل أساس لأي تراكم ثقافي حقيقي.

خامسا، إشراك الكفاءات المحلية بشكل فعلي في التخطيط والتنظيم والتقييم، لأن الناظور تتوفر على طاقات مهمة في مجالات الإعلام والتواصل والإدارة الثقافية والفن، ومن غير المنطقي أن تبقى هذه الطاقات خارج دائرة الفعل الثقافي.

سادسا، دعم المسرح المدرسي والجامعي باعتباره القاعدة الأساسية لبناء جمهور فني واع. فالمسرح لا يصنع فقط ممثلين، بل يصنع الذوق والحس النقدي والقدرة على الحوار والتعبير. وكل مدينة تهمل الثقافة داخل مدارسها تحكم على أجيالها بالفراغ والعزلة الفكرية.

كما أن الناظور، بحكم موقعها الجغرافي وانفتاحها على أوروبا وارتباطها القوي بالجالية المغربية بالخارج، تمتلك فرصة استثنائية لصناعة نموذج ثقافي مختلف، قادر على الجمع بين الخصوصية المحلية والانفتاح العالمي. ويمكن استثمار هذه الميزة في بناء شراكات ثقافية دولية، واستقطاب تجارب فنية من الخارج، وإطلاق مشاريع للتبادل الثقافي والتكوين المشترك.

إن المدن لا تقاس فقط بالبنيات الإسمنتية أو المشاريع الاقتصادية، بل أيضا بقدرتها على إنتاج الفكر والجمال والإبداع. والثقافة ليست ترفا، بل رافعة حقيقية للتنمية وصناعة الوعي والانتماء.

لهذا، فإن مستقبل المسرح بالناظور لن يتحقق فقط بتنظيم مهرجان ناجح كل سنة، بل ببناء مشروع ثقافي متكامل يؤمن بالتكوين، والتوثيق، والنقد، والاستمرارية، ويفتح المجال أمام الطاقات الشابة للمساهمة في صناعة مشهد ثقافي يليق بتاريخ المدينة ومكانتها وطموحات أبنائها.

فالناظور تستحق أن تكون عاصمة ثقافية حقيقية بالجهة، لا فقط مدينة تحتضن مهرجانات موسمية، بل فضاء دائما للإبداع والحياة الفنية والفكرية.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *