الرئيسية / الناظور / ” إييش الصحراوي” .. الرجل الذي ابتلعه النسيان في ذاكرة الناظور
الناظور

” إييش الصحراوي” .. الرجل الذي ابتلعه النسيان في ذاكرة الناظور

2026-10-08 16:45 8 دقائق قراءة 0 تعليقات

” ريف رس” 8 اكتوبر 2026

جمال الغازي

في ذاكرة المدن حكايات لا تجد طريقها الى الكتب، وشخصيات تعيش طويلا في وجدان الناس، ثم تختفي من المشهد، تاركة وراءها اسئلة معلقة لا تجد من يجيب عنها. وفي ذاكرة الناظور القديمة، يظل اسم إييش الصحراوي واحدا من تلك الاسماء التي كلما عادت الى الاذهان، عادت معها حكاية رجل غريب، وبناء اكثر غرابة، وحياة مليئة بالاسرار، ونهاية لا تزال تنتظر من يكشف حقيقتها.

لم اتعرف على إييش الصحراوي من خلال وثيقة تاريخية او مرجع مكتوب، وانما من خلال روايات شفوية وشهادات متفرقة لاشخاص عاصروا تلك المرحلة. وهذا ما يجعل حكايته جديرة بالبحث، لان الرجل ينتمي الى زمن لا يزال حاضرا في ذاكرة كثير من ابناء الناظور، لكنه بدأ يبتعد شيئا فشيئا مع رحيل جيل كان شاهدا على تفاصيله.
تعود بعض الشهادات الى اواخر الستينيات وبداية السبعينيات، حين كان إييش يعيش بجوار البحر، بالقرب من ضريح سيدي علي، في ناظور كانت يومها مدينة صغيرة، يعرف اهلها بعضهم بعضا، وكانت الازقة والاحياء والفضاءات الساحلية تحفظ الكثير من القصص والشخصيات التي لم تجد طريقها الى التوثيق.

كان إييش، بحسب من عاصروه، رجلا طويل القامة، يرتدي لباسا اسود ويضع عمامة سوداء. كان حضوره لافتا، ليس فقط بسبب مظهره، بل ايضا بسبب طريقته في الكلام وتعاطيه مع الناس. كان يتحدث كثيرا وبصوت مسموع، ويجتمع حوله بعض الشباب بدافع الفضول، يستمعون الى كلامه ثم ينصرفون، وكثيرا ما كانوا لا يفهمون ما يريد قوله.
وتقدم احدى الشهادات التي وصلتني صورة اكثر اثارة للرجل، اذ تصفه بانه كان مهندسا معماريا وفنانا “يخلق العجب من لا شيء”. وتقول الشهادة انه عاش بجوار البحر خلال سنوات السبعينيات، وكان يدعي انه ينتظر اخا له سيخرج من البحر.
لا نعرف اليوم ماذا كان يقصد إييش بهذه العبارة، وهل كان وراءها اعتقاد خاص او قصة لا نعرف تفاصيلها، ام انها مجرد واحدة من العبارات الغريبة التي التصقت بشخصيته مع مرور الزمن. ولذلك تبقى هذه الرواية، مثل غيرها، في حاجة الى شهادات اخرى ممن عاصروه وسمعوا منه مباشرة.
وتضيف الشهادة نفسها ان إييش كان ينظم تجمعات شعبية امام قصره، فيوعظ الناس تارة، وينفث فيهم تارة اخرى افكارا غريبة لم يكن صاحب الشهادة يفهمها، كما يقول، بسبب صغر سنه في ذلك الوقت.
وهنا تظهر صورة اخرى للرجل. لم يكن منعزلا تماما عن الناس، بل كان له حضور بينهم، وكان المكان الذي بناه يتحول احيانا الى فضاء للتجمع والاستماع اليه. كان يتحدث، والناس ينصتون، ثم ينصرفون وهم يحملون مزيدا من الاسئلة حول هذا الرجل الذي لم يكن يشبه غيره.
لكن اكثر ما جعل إييش راسخا في ذاكرة الناظوريين هو ذلك البناء الغريب الذي شيده بيديه.
لم يكن بناء عاديا، بل كان تركيبا من الحديد والقصدير والزنك والمسامير والخردة ومواد متلاشية مختلفة. كان يأخذ اشياء تبدو للآخرين بلا قيمة، ثم يجمعها ويشكل منها بناء غير مألوف، حتى صار المكان نفسه جزءا من شخصيته.
ولهذا اطلق الناس عليه اسم “قصر المجذوب”.
وتروي بعض الشهادات ان البناء كان يضم في اعلاه شكلا يشبه القبة او البرج، بينما كان داخله بسيطا، لا يكاد يضم سوى سجادة وكرسي وبعض القطط. وتذكر رواية اخرى ان الكرسي نفسه كان من صنع إييش.
واللافت ان الرجل لم يكن يسكن داخل ذلك البناء كما قد يتصور المرء، بل كان يأوي ليلا الى خيمة سوداء صغيرة، بينما ظل “القصر” قائما بمحاذاة البحر، مثيرا دهشة الناس وفضولهم.
وكانت القطط جزءا من عالمه الخاص. تصفه احدى الشهادات بانه كان صديقا للقطط، يعتني بها ويأويها الى جواره. ويروي احد الشهود انه تلقى منه ذات يوم قطة صغيرة، وهي ذكرى تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها ظلت حية في ذاكرة صاحبها رغم مرور عقود.
واليوم، لم تعد هذه البناية مجرد وصف تتناقله الذاكرة، فقد بقيت لها صورة واضحة تحفظ جزءا من شكلها وموقعها.
الصورة التي نراها اليوم هي صورة بناء إييش الصحراوي نفسه، وقد التقطها نور الدين اعبوز، وحفظت لنا ملامح جزء من الناظور القديمة. المكان معروف، فهو يقع قرب ضريح سيدي علي بالناظور، حيث عاش إييش بجوار البحر خلال سنوات السبعينيات.
في الصورة يظهر البناء بهيكله الحديدي الكثيف، وتتداخل فيه القضبان والاسلاك والقطع المعدنية، بينما يرتفع في اعلاه شكل يشبه القبة او البرج. وبجانبه قارب ومبان بسيطة، في مشهد ساحلي يعيدنا الى زمن كانت فيه هذه المنطقة مختلفة تماما عن صورتها اليوم.
الصورة من ارشيف نور الدين اعبوز، وهو الذي التقطها، وهي توثق بناء إييش الصحراوي نفسه قرب ضريح سيدي علي.
وتكتسب الصورة اهميتها من كونها تحول وصف المعاصرين لبناء إييش من مجرد رواية شفوية الى ذاكرة بصرية. فهذا هو البناء الذي قيل انه شيده من الحديد والقصدير والزنك والمسامير والمتلاشيات، والذي اطلق عليه الناس اسم “قصر المجذوب”.
ولعل قيمة هذه الصورة لا تكمن في البناء وحده، بل في كونها تحفظ لنا مشهدا من ناظور السبعينيات: البحر، والقارب، والطريق، والمباني البسيطة، وبناء غريب يقف بينها كأنه قطعة من عالم آخر.
اليوم، وبعد مرور عقود، لم يبق من ذلك البناء سوى الصورة والذاكرة. اما إييش نفسه فقد اختفى، وظلت قصته معلقة بين شهادات من عاصروه وروايات من سمعوا عنه.
ولم يبق حضور إييش في الذاكرة الشفوية وحدها، فقد خصه ميمون امسبريذ بفقرات في مجموعته القصصية المكتوبة بالامازيغية والمعنونة “ذلك الناظور”. واستعاد من خلاله صورة الرجل الغريب والبناء الذي ارتبط باسمه، ضمن صورة اوسع لناظور قديم بشخصياته وامكنته وتفاصيل حياته اليومية.
وهكذا لم يعد إييش مجرد رجل مر في مكان ثم اختفى، بل اصبح جزءا من الذاكرة الادبية للناظور ايضا. فالكتابة احيانا تنقذ من النسيان ما عجزت الوثائق عن الاحتفاظ به، والصورة تفعل الشيء نفسه حين تحفظ لنا شكلا من اشكال المكان بعد ان يختفي من الواقع.
اما السؤال الاكثر غموضا في حكاية إييش فيظل متعلقا بنهايته.
تقول احدى الشهادات انه اختفى فجأة في اواخر السبعينيات، وان بنايته هدمت بعد اختفائه، وكأن هدمها كان بمثابة اسدال الستار على مرحلة كاملة ودفن سر الرجل معه.
وتتحدث روايات اخرى عن احتمال اعتقاله بسبب مواقفه وانتقاداته للسلطات، بينما تذهب شهادات متداولة الى انه كان يدخل في مشادات معها كلما حاولت توقيفه. وتربط بعض الروايات بين ذلك وبين التجمعات التي كان ينظمها وخطابه الذي كان ينتقد فيه الاوضاع السياسية والاجتماعية.
لكن لا نملك، حتى الان، وثيقة مستقلة تثبت واقعة الاعتقال او تحدد مصيره.
وتتداول الذاكرة ايضا حكاية شخص قال في احد المقاهي انه التقى بإييش في سجن بمدينة مكناس. وقد تكون هذه الرواية، اذا امكن الوصول الى صاحبها او الى من نقلها عنه، مدخلا مهما للتحقق من مصير الرجل.

هل كان الشخص الذي شوهد في سجن مكناس هو فعلا إييش؟

متى كان ذلك؟

ومن كان الشخص الذي شاهده؟

وهل ما زال احد من معارفه او افراد عائلته يتذكر هذه الواقعة؟

هذه اسئلة لا يمكن حسمها بالتخمين، وانما تحتاج الى شهادة مباشرة او وثيقة او روايات مستقلة تتقاطع في تفاصيلها.

ولهذا ينبغي ان نبقى حذرين امام كل ما يروى عنه. فلا نملك الى اليوم اسمه المدني الكامل، ولا سجلا موثقا لمساره، ولا تاريخا دقيقا لهدم بنايته، ولا دليلا حاسما يكشف مصيره. كما ان وصفه بالمهندس المعماري او الفنان يبقى في حدود ما وصلنا جزءا من شهادة شفوية، الى ان تظهر وثائق او شهادات اخرى تؤكده.
ان حكاية إييش الصحراوي ليست مجرد قصة رجل غريب عاش قرب البحر، ولا مجرد حكاية بناء من الحديد والقصدير والزنك هدمته السنوات. انها جزء من الذاكرة الاجتماعية للناظور، ومن تاريخ مرحلة لا تزال جوانب كثيرة منها تنتظر من يستعيدها.
ولهذا لا اريد ان تكون هذه السطور نهاية لحكاية إييش، بل بداية لاستعادة شهادات الذين عاشوا تلك المرحلة.
ما نحتاجه اليوم قبل كل شيء هو ان نستمع الى معاصريه.

من كان يراه قرب ضريح سيدي علي؟

من جلس معه وتحدث اليه؟

من كان يعرف من اين جاء؟

من يتذكر خيمته السوداء؟

من يتذكر قصره الغريب وكيف كان يبدو؟

من يستطيع ان يصف لنا كلامه وطريقة حديثه؟

من كان يحضر تجمعاته امام القصر؟

وماذا كان يقول للناس؟

ومن يعرف شيئا عن الايام الاخيرة التي ظهر فيها في الناظور؟

والاهم من ذلك: هل يستطيع احد من معاصري تلك المرحلة ان يتذكر تفاصيل اخرى عن المكان او عن الرجل او عن الذين كانوا يلتقون به؟

هذه الاسئلة موجهة خصوصا الى الرجال والنساء الذين عاشوا الناظور في اواخر الستينيات والسبعينيات، والى سكان المنطقة المحيطة بضريح سيدي علي وترقاع، وكل من كانت له صلة بتلك المرحلة.
لا نريد رواية جديدة تضاف الى روايات متداولة، بل نريد شهادات اصحابها. نريد من يقول: كنت هناك، رأيته، تحدثت معه، عرفت فلانا الذي كان يعرفه، او املك صورة او وثيقة او معلومة يمكن التحقق منها.
فالرواية الشفوية، رغم حاجتها الى التمحيص والمقارنة، تظل جزءا مهما من تاريخ المدينة، خصوصا عندما يتعلق الامر بشخصية مثل إييش الصحراوي، الذي لم يترك وراءه ارشيفا مكتوبا، لكنه ترك اثرا واضحا في ذاكرة من عاصروه.
وقد تكون شهادة واحدة، مهما بدت بسيطة، قادرة على تغيير جزء من هذه الحكاية.
قد يتذكر احدهم اسمه الحقيقي، وقد يتذكر اخر مكان قدومه، وقد تكون لدى عائلة صورة اخرى لقصره، وقد يعرف شخص ما حقيقة اختفائه، وقد يظهر من يستطيع ان يؤكد او ينفي قصة سجن مكناس.
لهذا اكتب هذه السطور لا لأقول انني امتلك الحقيقة كاملة، وانما لأفتح بابا للبحث، ولأدعو من عاصروا إييش الى الكلام قبل ان تحمل الذاكرة معها ما تبقى من تفاصيله.
لقد هدمت البناية، واختفى الرجل، وتغير المكان، وتغيرت الناظور نفسها. لكن الحكاية بقيت.
بقي رجل بعمامة سوداء، وخيمة صغيرة، وقطط كثيرة، وبناء صنعه من الحديد والقصدير والزنك والمسامير، وكلام لم يفهمه كثيرون كما روي عنه تفسيره كلمة الصحراوي تجمع كلمتي الصح والراوي بمعنى الصحراوي راوي الصح حسب الرواية ، ورجل كان يدعي انه ينتظر اخا سيخرج من البحر، ثم اختفى ذات يوم دون ان يترك لنا جوابا.
وربما لهذا السبب تحديدا لم يمت إييش الصحراوي تماما فهو لا يعيش اليوم في المكان الذي كان يقيم فيه، ولا في البناء الذي هدم، وانما يعيش في ذاكرة الذين عاصروه، وفي الحكايات التي تناقلوها، وفي صفحات “ذلك الناظور” التي خصصها له ميمون امسبريذ، وفي الصورة التي التقطها نور الدين اعبوز وحفظت لنا صورة بناء إييش كما كان ذات يوم.

ويبقى السؤال مفتوحا:

من كان إييش الصحراوي حقا؟

ومن كان ذلك الاخ الذي كان ينتظره ليخرج من البحر؟

ماذا كان يقول للناس في تجمعاته امام قصره؟
واين انتهى به الطريق؟
ربما لا نحتاج الا الى شاهد واحد ما زال يتذكر.
فالحكاية التي ابتلعها النسيان قد تبدأ من جديد، يوم يتكلم الذين كانوا هناك.
ذاكرة الناظور تحتاج الى روح جديدة في التوثيق


مشاركة:

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *