” ريف رس ” 22 شتنبر 2026
يصعب الحديث عن الانتخابات التشريعية المغربية الحالية دون التوقف عند اسم فوزي لقجع، الذي انتقل من فضاء كرة القدم إلى قلب المشهد السياسي، بعد التحاقه بحزب الأصالة والمعاصرة وانضمامه إلى مكتبه السياسي.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط، ماذا يريد لقجع من السياسة؟ بل سؤال أكثر دلالة، هل يستطيع الرجل الذي نجح في كسب ثقة جزء واسع من الجمهور الرياضي أن يقنع الناخب المغربي بالمنطق نفسه؟.
في كرة القدم، لا تُمنح الثقة بالتصريحات وحدها. الجمهور ينتظر النتائج، ويراقب طريقة التدبير، ثم يحكم في النهاية على الحصيلة. ولعل هذا هو أحد أصعب الاختبارات التي تواجه لقجع في انتقاله من المجال الرياضي إلى السياسي، فالجمهور الرياضي قد يحتفل بالإنجاز، بينما الناخب يبحث عن أثر السياسة في الأسعار والدخل والصحة والتعليم والتشغيل والخدمات العمومية.
لقد ارتبط اسم لقجع خلال السنوات الأخيرة بمرحلة شهدت نتائج بارزة للمنتخبات الوطنية، أبرزها بلوغ المنتخب المغربي نصف نهائي كأس العالم 2022، إلى جانب تطور حضور كرة القدم المغربية قارياً ودولياً. وهو رصيد يمنحه حضوراً جماهيرياً وإعلامياً يصعب تجاهله.
لكن السياسة مجال مختلف. ففي الرياضة يمكن لإنجاز واحد أن يصنع لحظة إجماع، بينما في السياسة لا تكفي لحظة نجاح واحدة لبناء ثقة دائمة. المواطن يريد نتائج متراكمة، ويريد أن يعرف كيف ستنعكس القرارات على حياته اليومية.
ومن هنا، فإن محاولة نقل النجاح الرياضي إلى المجال الانتخابي ليست عملية تلقائية. فالناخب لا يصوت فقط للشخصية المعروفة، وإنما ينظر أيضاً إلى الحزب الذي تنتمي إليه، وبرنامجه، ومرشحيه، ومدى قابلية وعوده للتنفيذ.
وخلال الحملة الانتخابية، ظهر لقجع مدافعاً عن برنامج حزب الأصالة والمعاصرة، ومتحدثاً عن ملفات تهم القدرة الشرائية والأجور والمعاشات والدعم الاجتماعي والتشغيل. وهي ملفات تمس بشكل مباشر انتظارات المواطنين، خصوصاً في ظل ارتفاع سقف المطالب الاجتماعية والاقتصادية.
غير أن التحدي الحقيقي أمامه يكمن في الإجابة عن سؤال بسيط وصعب في آن واحد، هل يستطيع أن يقنع المواطن بأن منطق التدبير الذي نجح في كرة القدم يمكن أن ينتج النتائج نفسها في الاقتصاد والسياسة والخدمات العمومية؟
ثم هناك عامل آخر يميز حضوره في هذه الانتخابات. فقد كان اسم لقجع مطروحاً بقوة للترشح في دائرة بركان باسم الأصالة والمعاصرة، قبل أن لا يخوض الانتخابات شخصياً، بينما قدم الحزب مرشحاً آخر بالدائرة. ومع ذلك، ظل لقجع حاضراً في المشهد السياسي والحملة الانتخابية للحزب، وهو ما يجعل دوره مختلفاً عن دور المرشح التقليدي.
وهنا تبرز المفارقة، الرجل الذي صنع لنفسه صورة مرتبطة بالإنجاز الرياضي يجد نفسه اليوم أمام جمهور مختلف، له انتظارات مختلفة، ومعايير مختلفة للحكم.
فالسياسة لا تُلعب على أرضية الملعب، ولا تحسمها صافرة الحكم، ولا تقاس بنتيجة تسعين دقيقة. السياسة مسار طويل من القرارات والبرامج والمسؤولية والمحاسبة.
لذلك، فإن المقارنة بين لقجع في كرة القدم ولقجع في السياسة يجب أن تبقى في حدودها. نجاحه الرياضي يمنحه رصيداً من الحضور والتجربة، لكنه لا يشكل بالضرورة حكماً مسبقاً على تجربته السياسية.
وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الحقيقي هو، هل يستطيع فوزي لقجع إقناع الناخب كما أقنع جمهور كرة القدم؟ بل، هل يستطيع أن يحول الثقة التي راكمها في المجال الرياضي إلى ثقة سياسية قائمة على البرامج والنتائج والمساءلة؟
فالجمهور الرياضي يشجع عندما يرى الانتصار، أما الناخب فيمنح ثقته عندما يقتنع بأن صوته يمكن أن يصنع فرقاً في حياته اليومية.
وبين المدرجات وصناديق الاقتراع تختلف القواعد، لكن القاسم المشترك يبقى واحداً: الثقة تُكتسب بالعمل، وتُختبر بالنتائج.







