” ريف رس ” 22 شتنبر 2026
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية بالمغرب، تتجه الأنظار إلى صناديق الاقتراع، في محطة سياسية ينتظر منها أن تكشف ليس فقط عن ملامح الخريطة البرلمانية المقبلة، وإنما أيضاً عن مستوى الثقة في العمل السياسي والحزبي، وحجم المشاركة في الحياة العامة.
فبعد أسابيع من الحملات الانتخابية والبرامج والوعود، يصل التنافس إلى ساعاته الأخيرة، وينتقل القرار من الخطابات والمنصات إلى الناخبين. وفي هذه المرحلة، لا تبدو المسألة مرتبطة فقط بمن سيحصل على أكبر عدد من المقاعد، بل بما ستفرزه الانتخابات من مؤشرات حول علاقة المواطن بالأحزاب والمؤسسات المنتخبة.
وتتميز هذه الانتخابات بحضور عدد كبير من الأحزاب والمرشحين، حيث يتنافس 28 حزباً، إلى جانب لائحتين لمرشحين غير منتمين، على 395 مقعداً بمجلس النواب. كما بلغ عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية العامة أكثر من 15.8 مليون ناخب، فيما تجاوز عدد المرشحين سبعة آلاف مرشح.
هذه الأرقام تعكس اتساع دائرة المنافسة، لكنها في المقابل تطرح سؤالاً أساسياً ، هل كثرة الأحزاب والمرشحين قادرة فعلاً على ترجمة تطلعات المواطنين واختياراتهم إلى سياسات عمومية ملموسة؟.
السؤال يصبح أكثر أهمية عندما يتعلق الأمر بالشباب. فالفئة العمرية ما بين 18 و24 سنة لا تمثل سوى نسبة محدودة من المسجلين، في وقت تشكل فيه قضايا التشغيل والتعليم والسكن وتحسين الدخل والخدمات العمومية أبرز الملفات التي تشغل اهتمام فئات واسعة من المجتمع.
ومن هنا، فإن المشاركة الانتخابية لا يمكن فصلها عن مسألة الثقة. فحين يشعر المواطن بأن صوته قادر على التأثير في السياسات العمومية، تصبح الانتخابات مناسبة للمشاركة والمحاسبة. أما عندما تتسع المسافة بين الخطاب السياسي والواقع اليومي، فإن العزوف يصبح أحد الأسئلة التي يصعب تجاهلها.
كما تطرح هذه الانتخابات مسألة أخرى لا تقل أهمية، وهي مدى قدرة الأحزاب على الانتقال من منطق الحملة الانتخابية إلى منطق المسؤولية السياسية. فالبرنامج الانتخابي لا تقاس قيمته فقط بما يتضمنه من وعود، وإنما بمدى وضوح أهدافه وإمكانية تنفيذها، وبقدرة المنتخبين على تقديم حصيلة قابلة للنقاش والمساءلة.
وفي هذا السياق، سيكون مجلس النواب المقبل أمام تحديات متعددة، من بينها القضايا الاجتماعية والاقتصادية، وتطوير الخدمات العمومية، ومواصلة الإصلاحات، إضافة إلى الاستجابة لانتظارات المواطنين في مجالات الصحة والتعليم والتشغيل والقدرة الشرائية.
كما أن حضور عدد من الوجوه البرلمانية الحالية في السباق الانتخابي يفتح الباب أمام نوع من المقارنة بين التجربة السابقة وما سيقدمه المنتخبون الجدد، بما يجعل صناديق الاقتراع، في جانب منها، آلية لإعادة تقييم الأداء السياسي والبرلماني.
ومع انتهاء الحملة الانتخابية، يصبح الناخب أمام لحظة الاختيار، بينما تدخل الأحزاب مرحلة جديدة عنوانها المسؤولية. فبعد ظهور النتائج، لن يكون السؤال فقط حول عدد المقاعد التي حصل عليها كل طرف، بل حول كيفية تحويل تلك النتائج إلى عمل تشريعي وسياسي يستجيب للانتظارات المطروحة.
إن انتخابات 23 شتنبر ليست مجرد موعد لتشكيل مجلس نواب جديد، بل هي أيضاً لحظة لقياس نبض المجتمع تجاه السياسة والأحزاب والمؤسسات. وستكون نسبة المشاركة، وتركيبة البرلمان المقبلة، وطبيعة النقاش السياسي بعد الانتخابات، مؤشرات مهمة لفهم اتجاهات الحياة السياسية المغربية خلال المرحلة القادمة.
وفي نهاية المطاف، تنتهي الحملات الانتخابية، لكن تبدأ بعدها المرحلة الأصعب، مرحلة الوفاء بالالتزامات، وممارسة الرقابة والتشريع، وربط المسؤولية بالمحاسبة. وبين وعود الأمس وانتظارات الغد، يبقى المواطن هو الطرف الذي ينتظر أن يرى أثر اختياره في حياته اليومية.







