الرئيسية / فن و ثقافة / قراءة في كتاب.. الغنى البلاغي لشعر المقاومة للريف
فن و ثقافة

قراءة في كتاب.. الغنى البلاغي لشعر المقاومة للريف

2025-12-19 17:17 3 دقائق قراءة 0 تعليقات

” ريف رس ” 19 دجنبر 2025

بقلم: جمال الغازي/ ألمانيا

بعد شعر المقاومة بالمنطقة الريفية واحدا من أغنى أشكال التعبير الشعبي في تاريخ المغرب الحديث، وقد أسهمت دراسات الأستاذ عبد الناصر امحرف إسهامًا علميًا رصينًا في إبراز قيمته الأدبية والتاريخية، والكشف عن أبعاده الجمالية والإنسانية، من خلال تتبّعه الدقيق لهذا الشعر خلال الفترة الممتدة بين سنتي 1900 و1940، وربطه بسياقهين المحلي والوطني.

فهذا الشعر، كما يبيّن الأستاذ امحرف، ليس مجرد تسجيلٍ للأحداث أو توثيقٍ للمعارك والمواجهات العسكرية، ولا وثيقةً تاريخيةً جامدة، بل هو خطابٌ إنسانيٌّ حيّ، يعكس وعيًا جماعيًا بالهوية، ويعبّر عن توقٍ عميقٍ إلى الحرية في مواجهة القهر والاستعمار. لقد واكب شعر المقاومة الريفي التحولات الكبرى التي عرفتها المنطقة، وتفاعل في الآن نفسه مع ما شهدته بلاد المغرب عمومًا من صراعٍ ونضالٍ من أجل التحرر.

ويؤكد عبد الناصر امحرف أن شعر المقاومة الأمازيغي بالريف لا يمكن حصره في هذه المرحلة الزمنية وحدها، على أهميتها، إذ تمتد جذوره إلى عصورٍ غابرة، منذ بدايات مقاومة المغاربة للغزاة الأوائل من رومان ووندال وبيزنطيين وفينيقيين. كما استمر حضوره إلى التاريخ المعاصر، حيث ظلّ يطالب باسترجاع الأرض واستكمال السيادة الوطنية، ولا تزال بعض القصائد تعبّر بحرقةٍ عن مأساة المدن المحتلة، وفي مقدمتها مدينة مليلية.

من أبرز الجوانب التي وقف عندها الأستاذ امحرف بعمقٍ ودقة، الغنى البلاغي لشعر المقاومة الريفي. فقد وظّف الشعراء المجاز حين أسندوا فعل الطيران إلى “السيارة” للدلالة على الطائرة، في صورةٍ تعكس محدودية الوسائل التقنية في بيئة الشاعر، لكنها تكشف في الوقت نفسه عن قدرة عالية على الابتكار والتخييل. كما حضرت الاستعارة بقوة، سواء في تشبيه هجوم الجنود الإسبان بالغارات الجوية، أو في تصوير الخيانة في هيئة أفعى، وهي صور مكثفة تحمل موقفا أخلاقيا وسياسيا واضحا.

ويبرز كذلك التضاد اللغوي كآلية فنية تُجسّد مفارقات الواقع الاستعماري، حين يجتمع البكاء والاحتفال في بيتٍ واحد، تعبيرا عن الانقسام الوجداني بين الفقد والصمود، وبين الألم والأمل.

يشير الأستاذ عبد الناصر امحرف إلى أن الطابع الشفهي يُعدّ من أهم سمات الشعر الأمازيغي بالريف، وهو ما أدى إلى تعدد الروايات واختلاف الصيغ داخل القصيدة الواحدة. فغياب التدوين جعل النص الشعري ملكًا للجماعة، قابلًا للتداول والتعديل، حيث تُستبدل الأسماء أحيانًا لتتلاءم مع السياق، دون أن يفقد الشعر جوهره أو وظيفته التعبيرية، ما دام يعكس همًّا جماعيًا مشتركًا.

ومن القضايا اللافتة التي تناولها الأستاذ امحرف تفاعل الشاعر الريفي مع أحداث الحرب الأهلية الإسبانية، رغم البعد الجغرافي. فقد عبّرت القصائد عن معاناة المجندين الريفيين وأسرهم، وكشفت تناقضات تلك المرحلة، حيث اتخذت المقاومة في بعض نصوصها طابعًا سلبيًا، وُجّه أساسًا ضد الجمهوريين والديمقراطيين، في مقابل مدحٍ مشروطٍ للأنظمة الديكتاتورية التي كانت تقدّم مساعداتٍ محدودة لأسر المجندين، بدافع الحاجة والفقر لا عن قناعةٍ سياسية.

إن الجهد العلمي الذي قدّمه الأستاذ عبد الناصر امحرف في دراسته لشعر المقاومة بالريف يُعدّ مساهمة بالغة الأهمية في صون الذاكرة الثقافية الأمازيغية والريفية. فقد أعاد لهذا الشعر مكانته بوصفه وثيقةً وجدانيةً وجمالية، ووسيلة للتعبير عن الرفض والصمود، وسلاحا رمزيا في مواجهة الاستعمار والنسيان. وهو عمل يستحق التنويه والتقدير، لما فيه من خدمة جليلة للتاريخ الثقافي المغربي، وإنصافٍ لصوتٍ شعري ظل طويلا حبيس الذاكرة الشفوية.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *