“ريف رس” 23 نوفمبر 2025
مصطفى تلاندين
في كل مرحلة من حياتنا يطلّ علينا أشخاص يشبهون “زوار الفجر”؛ حضورهم خافت خطواتهم مترددة ووجودهم لا يترك أثرًا ولا دفئًا.
هم على الورق أصدقاء وعلى الشاشات قريبون، لكنهم في الحقيقة لا يشبهون الأوطان التي تُسكن القلب، بل مجرد ظلال تمرّ دون أن تُخلِّف شيئًا يُذكر.
يأتون في صمت ويغادرون في صمت، وكأنهم يخشون أن يُكتشف خواؤهم. يظهرون حين يُثقلهم العطش القديم، عطشٌ لا يبحث عن الماء بل عن موطئ ضعفٍ فينا يروون به غيابهم الطويل. يلوّحون من بعيد بحضورٍ باهت، كمن يستجدي اهتمامًا ضائعًا أو يسعى إلى إيقاف مسيرتنا فقط لأن خطانا تثير فيهم ما فقدوه.
يقفون على حافة أحلامهم المثقوبة، يترددون في طرق أبواب التواصل يبعثون رسائل مبهمة من هواتف مهترئة ومشاعر أكثر اهتراءً.
لا يطلبون دعمًا ولا يقدّمون محبة، بل فقط يحاولون جرّنا إلى دائرتهم الساكنة، حيث الزمن لا يتحرك والطموح لا يكبر.
والمُضحك… أننا أحيانًا نبتسم لسخافة الأمر.
نضحك لأن ما نراه لا يستحق الحزن، أو لعلنا نحاول التخفيف عن أنفسنا بضحكة تخفي ما لا يقال.
فنحن نعلم تمامًا أن شرّ البلية ما يُضحك، وأن من يأتون بلا معنى… لا يمكنهم أن يحملوا أي قيمة.
وهكذا، تبقى الحياة غربالًا حقيقيًا؛ تُسقط الزائفين وتُبقي المخلصين. فالأصدقاء الحقيقيون هم أوطان صغيرة، أما الآخرون… فليسوا سوى عابرين في زمن مكتظ بالوجوه الخفيفة.







