الرئيسية / مساحة حرة / مهرجان المتوسطي… دروس في التمييز الطبقي من قلب الكورنيش
مساحة حرة

مهرجان المتوسطي… دروس في التمييز الطبقي من قلب الكورنيش

2025-07-26 19:35 3 دقائق قراءة 0 تعليقات

” ريف رس” 26 يوليوز 2025

حكيم شملال يكتب…

مهرجان المتوسطي بالناظور… يعلم أبناءنا أن لا مكان لهم بدون وساطة

قررت أن آخذ أطفالي إلى الكورنيش، كانت مناسبة مهرجان المتوسطي فرصة جيدة للاستمتاع ببعض الموسيقى، والترفيه عن النفس، وتعريفهم بالموسيقى المغربية الأصيلة، ليتذوقوا النغمة الراقية، ويتشبعوا بروح “التمغرابيت” في جو مفتوح للجميع، كما يفترض.

لكن عندما وصلنا إلى مكان الحفل، وجدناه مقسما بحواجز، تفصل بين “الداخل” و”الخارج”. رجال الشرطة والقوات المساعدة يحرسون المكان، وكأنهم يحرسون قلعة لا حفلا موسيقيا.

قالت لي ابنتي لويزة:
ــ “بابا، من هنا لا أرى المنصة… لماذا لا ندخل للداخل؟”
قلت لها:
ــ “هنا أفضل، بعيدا عن الضجيج.”
لكنها أصرت وذهبت تسأل الشرطي عند الحاجز:
ــ “من أين يمكنني شراء دعوة للدخول؟”
فأجابها عمو الشرطي بأدب:
ــ “لا تباع يا ابنتي، هذه دعوات تمنح من طرف العمالة لمعارفهم وذويهم فقط.”
فقالت له ببراءة:
ــ “ومن أين نحصل على دعوة؟”
قال الشرطي باحترام:
ــ “خصها تعرفي شي حد منهم يعطيهاليك.”

تقدمت نحوه وقلت له:
ــ “يعني اللي عندو معرفة يدخل، واللي ما عندوش يبقى مع ولاد الشعب؟”
ابتسم وقال:
ــ “راه بحال هنا بحال لهيه.”
قلت له:
ــ “لو كان بحال هنا بحال لهيه، علاش الحواجز؟ علاش الشرطة؟ علاش التمييز؟”
هز كتفيه وقال:
ــ “أوا… هذا هو المغرب.”

نظرت إلي لويزة وقالت: “يعني هادوك عندهم معارف، وحنا لا؟”

أخفيت غصتي، وكان صوتي مكسوا بالحزن. فقد كان بإمكاني أن أطلب دعوة للدخول، لكنني امتنعت عن ذلك عن قصد. لم أرد أن أعلمها أنها “أفضل” من غيرها، أو أن هناك من يملك حقا أكثر منها. نحن جميعا أبناء هذه المدينة، سواسية في الحقوق والحظوظ، ويجب أن نتربى على أن لا فرق في المغرب بين ابن رئيس حكومة، أو ابن فلاح، أو ابن إسكافي… فالكرامة لا تقاس بالمناصب، بل تقاس بالإنسان.

ــ “حنا من ولاد الشعب، ابنتي. يلا نمشي للدار.”

غادرنا المكان قبل أن تبدأ الحفلة. لم أكن مستعدا أن يخرب المهرجان تربية أبنائي، وأن يعلمهم أن في هذا البلد حتى الموسيقى تحتاج إلى وساطة. لم أخرجهم من البيت ليعودوا بانكسار. أردت لهم أن يتربوا على أن الجمال حق للجميع، لا امتيازا لفئة دون أخرى.

خلاصة:

مهرجان المتوسطي بالناظور… خيبة أخرى باسم الفن

كنا نأمل أن يكون مهرجان المتوسطي بالناظور مهرجانا حقيقيا للفن، يعلم الناس التهذيب، ويزرع فيهم الذوق، الحس الجمالي، حب الحياة، والتنوع والألوان… لكن قبل أن أسمع لحنا واحدا، كان قد علمني درسا مريرا:
من لا معرفة له، فليبتعد جانبا.

هناك، يشعرك المكان بأنك مواطن من الدرجة الدنيا، بينما الآخرون من طبقة عليا… وكأن المغاربة ليسوا سواسية في هذا الوطن، لا في الكرامة ولا في الحظوظ.

لقد تحول المهرجان إلى عرض سنوي للنفوذ والتمييز الطبقي، بدل أن يكون تظاهرة ثقافية تربي الأجيال على الذوق، الاحترام، والمساواة.

صار يذكرنا كل عام أن المغرب لم يتغير، ويعيد علينا الدرس نفسه: أن هناك من هو “أفضل” منك، من يملك حظوظا أكثر، وامتيازات لا تملكها، وأنه يتمتع بأفضلية فقط لأنه من دائرة النفوذ. ويذكرنا أيضا أننا ما زلنا نعيش تحت نفس العهد البائس، حيث توزع الكرامة بالمعرفة، لا بالمواطنة

“إذا لم تكن من أولاد الفوق، فلا حق لك في الفرجة من الصف الأمامي… بل ابق جانبا، حتى يمر من يملك هذا الوطن.”

مشاركة:

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *