الرئيسية / مساحة حرة / بريد القراء.. الفنان بين ريح الإهمال وسراب التقدير
مساحة حرة

بريد القراء.. الفنان بين ريح الإهمال وسراب التقدير

2025-01-19 18:45 2 دقائق قراءة 0 تعليقات

” ريف رس ” 19 يناير 2025

قلم: الاستاذ مولاي الحسن بنسيدي علي

في خضمّ الحياة اليومية، حيث تتغير الأولويات وتتكدس المسؤوليات، يقف الفنان وحيدًا في مهب الريح، تتقاذفه عواصف الإهمال والنسيان. يحمل في قلبه شعلة الإبداع، وفي روحه ألوان الحياة، لكنه يجد نفسه محاصرًا بأسئلة وجودية قاسية: هل الإبداع وحده كافٍ للبقاء؟ وهل يُمكن لفنه أن يصمد أمام أمواج التجاهل والتحيز؟

الفنان، هذا الكائن الذي يُفترض أن يكون سفيرًا للإنسانية ورسولًا للجمال، يجد نفسه اليوم غريبًا في وطنه. لا يجد يدًا تمتدّ إليه، ولا نظامًا يحميه من جور الأيام. رجال المسرح، هؤلاء الذين كانوا يومًا نجومًا تضيء ليالي المدن، أصبحوا ينتظرون في بيوتهم بصمت قاتل، آملين في دعوة تعيدهم إلى الأضواء، إلى الحياة. شهور تمر، وربما سنوات، وهم ينتظرون بلا جدوى، كأنما شُطبت أسماؤهم من دفاتر الإبداع، ونسيتهم الذاكرة الثقافية.

أما بعض النساء في الوسط الفني، فلهن نصيب مضاعف من المعاناة. بين التحرش والابتزاز، وبين صفقات مشبوهة تطمس كرامتهن مقابل أجر زهيد، تُسلب منهن الفرصة للإبداع النقي. كيف يمكن لمجتمع أن ينادي بالنهضة وهو يترك مبدعاته الشريفات عرضة للسقوط في مستنقعات الوساطة والفساد؟

وفي المقابل، تُصرف الملايين على تظاهرات كبرى يقطف ثمارها الأجانب، بينما يظل الفنانون المحليون على الهامش، يعانون قلة الحيلة وضيق العيش. من المؤسف أن بعض الدول لا تُعرف إلا بفنانيها ومبدعيها، لأنهم الوجه الحقيقي لأوطانهم، صورة مشرقة تروي قصة ثقافة وأصالة.

إن الأزمة ليست في غياب الدعم المادي فقط، بل في غياب التقدير الحقيقي لدور الفنان في بناء مجتمع متوازن. حينما يُعامل الفنانون كدُخلاء أو يُستبدلون بأصحاب النفوذ والعلاقات، فإن الثقافة الوطنية تصبح ضحية هذا التهميش.

فإلى متى سيظل الفنان يواجه هذه الرياح العاتية وحده؟ إلى متى سيظل ينتظر ظروفًا ملائمة تُمكّنه من تقديم أفضل ما لديه؟

إن الأمل الوحيد يكمن في وضع رؤية شاملة تحترم جميع أشكال الإبداع، تُؤمّن حياة كريمة للفنانين، وتُعيد الاعتبار لهم بعيدًا عن الدخلاء وأصحاب المصالح. عندها فقط، يمكننا أن نحلم بفنّ يعكس صورة مشرقة عن بلدنا، ونرتقي بثقافتنا إلى مكانة تستحقها بين الأمم.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *