الرئيسية / فن و ثقافة / بريد القراء.. الكتابة بين قداسة الحرف وآفات العصر
فن و ثقافة

بريد القراء.. الكتابة بين قداسة الحرف وآفات العصر

2024-12-25 17:47 2 دقائق قراءة 0 تعليقات

” ريف رس ” 25 دجنبر 2024

بقلم الأستاذ: مولاي الحسن بنسيدي علي
المقال مهدى إلى فضيلة الأستاذ الناقد معالي الدكتور نور الدين أعراب الطريسي

حين نكتب، فإننا نخط على الورق جزءًا من أرواحنا، نحاول تنظيف ما رسب في أعماقنا، ونبعث الحياة في ذاكرتنا، ونمد أرواحنا بطاقة جديدة تقاوم الخمول وتُبعدنا عن براثن المرض النفسي. الكتابة ليست مجرد حبرٍ على ورق، بل هي جسر بين الذات والعالم، أداة للتعبير عن أعمق ما فينا، وسلاح نبني به ذواتنا ونُبحر نحو الإبداع.

غير أن هذا الحرف المقدس بات في زماننا عرضةً لاعتداء الغوغائيين، أولئك الذين يستبيحون جماله ويخدشون نقاءه. أصبح كل من هبَّ ودبَّ يتجرأ على اللغة، يصوغ جملاً هشة وينشرها على أنها شعرٌ، أو قصةٌ، أو رواية، أو مسرحية. ومع مرور الوقت، فقدت الكتابة جماليتها، وغاب عنها رونقها. أصيب القارئ بالإحباط من هذا الزيف، فهجر الكتاب والقراءة، تاركًا الساحة فارغةً لمن يلوثونها بالميوعة والسطحية.

اليوم، تُقام الملتقيات التي كانت يومًا ساحات للعلم والفكر، لتتحول إلى سباقات للمهرولين وراء الموائد الدسمة، لا فكرًا يطوّرون، ولا إبداعًا يقدمون. يحرص هؤلاء على شراء أقلام تطبل لهم وتنفخ فيهم حتى يصبحوا كالبالونات، لا وزن لها ولا أصالة. وبهذا النفاق الثقافي، تراجع الذوق الأدبي، وضاعت المعايير التي تميز بين الأصيل والمزيف.

أين نحن اليوم من عكاظ القديم، حين كانت القصيدة تُعرض لتُقوَّم، وحين كان الشعراء يعرضون أنفسهم لمقصلة النقد بشجاعة؟ لم يبقَ في ساحات الأدب إلا نخّاسون وسقّاؤون يبيعون ماء الحياة لمن لا يستحق، ويقتاتون على الزيف، تاركين الحرف الأصيل يعاني في صمت.

ولكن، هل نستسلم؟
الكتابة الحقيقية، تلك النابعة من القلب والعقل، لا تموت. مهما علت أصوات الزيف، يبقى الأصيل شامخًا، ينتظر من يلتقطه ويعيد له مجده. نحن بحاجة إلى أن نعيد للقلم مكانته، وللكتابة قدسيتها، ولن نحقق ذلك إلا بالقراءة الهادفة، وبكتابة صادقة نابعة من إحساس عميق ووعي متجذر.

خاتمة:
إن المعركة الحقيقية ليست مع من يهرولون خلف الأضواء الزائفة، بل مع أنفسنا لنحافظ على نقاء الحرف وجلال الكلمة. فلنكتب بما يليق بأرواحنا وأفكارنا، ولنتذكر أن الحرف الذي نخطه اليوم هو الإرث الذي نورثه للأجيال القادمة. ولنكن نحن السراج الذي ينير عتمة الأدب، لا مجرد ظلال تزول مع أول شعاع.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *