الرئيسية / فن و ثقافة / قراءة عاشقة.. في ديوان “ثلاثية الغيب والشهادة، وسفر ممتع مع ربان رحلتنا” للدكتور الرائد الشاعر حسن الامراني
فن و ثقافة

قراءة عاشقة.. في ديوان “ثلاثية الغيب والشهادة، وسفر ممتع مع ربان رحلتنا” للدكتور الرائد الشاعر حسن الامراني

2024-03-20 17:58 18 دقائق قراءة 0 تعليقات

” ريف رس ” 20 مارس 2024

بقلم الكاتب والروائي : مولاي الحسن بنسيدي علي

قد تستعصي الكلمات والمفردات لتتجمع في إطار تحليل دقيق، لقصيدة شعرية متينة البناء عميقة المعنى؛حتى ننهل من مشاربها أكثر من رشفات و نبل ونسقى منها بما فيه كفاية، فنتذوق عذوبة طعمها ونغوص في شخصية قائلها، وننقب في جب معارفه لنستخرج كنوزه ونفائسه، وهذا ما اعتمدناه؛ ونحن نسبر جمال المعاني وروعة البيان في قصائد لطالما شدت إليها القارئ، وصفق لها بإعجاب وعانقت الصدور ناظمها، فعلى من يأتي دور هذه القراءة العاشقة؟ يقول من نرسم معالم حروفه في إحدى روائعه:

هل يملك الشاعر أن يدجن الأشياء

أو أن يعلن البشارة

إن كان لايعرف أن جوهر الحضارة

يسكن قلب الشعب كالحجارة؟

هل يعلم الشاعر أن يفجر الحروف كالقطر

وأن يؤنس الأمطار

والليل والنهار

إن كان لا يجتاز خط النار ؟

هل يستطيع شاعر أن ينشد الأشعار

أو يمارس إنفجاره

في غفلة عن لغة الحجارة .

وأنا أتمعن فيما تخفيه السطور، تذكرت محاضرة للدكتور مصطفى سلوي في إحدى ندواته” عن ماهية القراءة وشخصية الأديب” وقد جاء فيها على لسان الفيلسوف بول سارتر:

على الأديب أن يكون ممتعا في كتاباته ونافعا ومغيرا، فإن انتفت إحدى عناصر هذا التعريف فلا نكون أمام كتابة تستحق القراءة

ولا أمام كاتب يطلق عليه بالأديب. ” انتهى”

فأجدني من خلال ما سقته أعلاه، أمام شاعر يمتع ويفيد ويغير، بطريقة تستهوي القارئ العاشق للحرف الجميل، فتشده إليها يقول الشاعر:

يجيء عام الحزن:

كان أبي متوجا بالنور والقمر المسحور

يلقي على شباكنا المفتوح كل ليلة

كتابه المنشور

فيسبح الأطفال ،

كالأسماك

في بحيرة العبير

كان أبي كالنخلة الهيفاء

الأمل المرسوم فوق وجهه

مبارك كلثغة العصفور

وجاء عام الحزن

صار غراب البين

يجل من خلف جفون القمر المذعور

والعيد أضحى زائرا

يخرج من قميصه الديجور

وفارسي المقهور

ظل يطوف حائرا بسيفه المكسور.

وكأن الشاعر يسبر أغوار القارئ ويعرف ما يريده فيلامس وجدانه، ويقترب من عاطفته وفكره، فينسج بذلك علاقة قرابة معه،

ويفرض عليه أسلوبه ومنهجه ويصبح بيانه مألوفا لديه، يعرفه من خلال أول جرس موسيقي تلتقطه أذنه لنسقه الشعري؛ فمن يكون هذا الشاعر؟

في سبعينيات من القرن الماضي جلست إليه وأنا شاب مثل جميع أقراني، وكنت شغوفا بشعره وشعر رعيل من عايشه، من أمثال الشاعر محمد بنعمارة رحمه الله ، والشاعر الدكتور عبد الرحمان بو علي، والشاعر الدكتور محمد علي الرباوي، والشاعر فريد الرياحي، والشاعر مصطفى الهيلالي رحمه الله والشاعر عبد لعزيز لعلج..وأسماء أخرى أثرت المشهد الثقافي فكانت صولاتهم في أكثر من محفل وناد، وكنا نطرب لسماعهم ونلاحقهم من أجل الإرتشاف من ينابيع شعرهم الجميل، ومما كان يشدني إليه، تلك المسرحية الرائعة التي شرفت بتمثيل أحد أداوارها في سبعينيات القرن الماضي، وكان لها الفضل في تقويم لساني بلفظها العربي المتين وأسلوبها الشعري الراقي، وشخوصها من كل العصور؛  من العصر ما قبل الإسلام عروة بن الورد وما بعده مثل سمية أم عمار بن ياسر

ومن العصر الأموي سديف بن ميمون ومن العصر العباسي ديك الجن..، وكانت المسرحية الشعرية تجربة فريدة في وطني اقتدى بها كثير من رواد المسرح فيما بعد.

وحين نتحدث عن كاتبها، فإننا نتحدث عن أحد البارزين في الشعر وأحد فحوله، كانت تجربته الأولى كأي شاب يقرض الشعر بجميع تجلياته مقفى وحر، وبقصائد عاطفية اجتماعية ووطنية، لكن سرعان ما عشق الأدب الإسلامي وانغمس في شعره والاستشاهد برموزه، وأسس بذلك منهجه حتى أصبح لا يذكر الشعر الإسلامي إلا ويذكر مؤسسه، فمن يكون هذا الشاعر والأديب؟

إنه صاحب مسرحية البحر والرجال.

تاريخ حافل بالمكرمات والألقاب والمواقف والمراكز العلمية صيته تجاوز حدود الوطن مخترقا الجغرافية شرقا وغربا شمالا وجنوبا

ٱنه الأديب المغربي الأستاذ الجامعي الدكتور حسن الأمراني حفظ الله مقامه وجعل معين علمه لا ينضب

نلج عالمه الشعري الممتع لنتجول في رياضه الخلابة ونرتشف من حياضه العذبة، آملا أن أوفق في العبور إلى عالمه لأنقل للقارئ بعضا من جمال وروعة ما أجد كما عهدت ذلك فيه من زمن مضى وكما وجده كثيرون غيري ممن عاصروه وعشقوا كتاباته.

أشار إليه الدكتور يحيى عمارة أثناء تكريمه في اتحاد كتاب المغرب فرع وجدة؛

بقوله: الدكتور حسن الأمراني جوهرة الأدب الحضاري العربي بالمغرب وعمدة من أعمدة الشعر المغربي المعاصر، ” وتكريمه” يأتي تتويجا لحضوره الكفاحي الشعري المتميز على الصعيدين العربي والعالمي، مشيرا في هذا الصدد إلى الحضور البارز في إنتاجه الشعري الذي يفوق 20 ديوانا، وفي أثر قصيدته الجمالية وما تحدثه من صدى على مستوى القارئ، إلى جانب انخراطه الفعال في تنمية المشروع الثقافي المدني.

وأضاف أنه منذ أربعين سنة ونيف وكلمات المحتفى به، المضيئة بالروح والجمال والقيم النبيلة وشمائله النموذجية بالأخلاق والصفات الرفيعة، تسعى إلى نشر رسائل تجربة روحانية بسمات صوفية إسلامية قصد إبداع التوازن في كل شيء الذي هو شرط حضاري ولكل بناء للجمال والإنسان..”انتهى “

كثيرة هي شهادة الثناء والتقدير ممن غرفوا من معين شعر وأدب من نقف على ربوة الجمال معه في ديوان ثلاثية الغيب والشهادة..

وقبل ذلك ما معنى الأدب الاسلامي ولماذا هذا التصنيف؟ يقول الدكتور حسن الأمراني:

كثير من الناس لم يفهم كلام الأستاذ محمد قطب في كتابه “منهج الفن الإسلامي” عن طاغور وعن ليسنغ والخندرو ديكاصونا، وهو يقول إن الآداب الإنسانية فيها إشراقات تلتقي مع الأدب الإسلامي.

وهذا أمر طبيعي؛ لأن كل إنسان له إشراقات من الفطرة، ونحن نبحث عن ذلك الأدب الذي يستجيب للفطرة ونرحِّب به، وليس معنى ذلك أن أدب “طاغور” كله إسلامي، لكن القيم التي يدعو إليها “طاغور” تقوم على الإيمان وعلى خدمة الناس، فنرحِّب به؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يستنشد الصحابة شعر “أمية بن أبي الصلت”، وهو رأس الكفر، لكنه في جاهليته كان يقول شعرًا توحيديًّا، والرسول يسمع هذا الشعر ويدعو إليه.

فإذا كان هذا الشاعر الجاهلي معروفًا بمعاداته للإسلام والرسول يستنشد شعره، فما المانع من أن نستفيد من شعر “طاغور” وغيره من الشعراء الإنسانيين؟!

مستشهدا بالفطرة التي جبل الله عليها الإنسان لقوله صلى الله عليه وسلم يولد الإنسان على الفطرة ..”الحديث ” انتهى “.

فالشاعر حسن الأمراني يرى في الأدب الإسلامي خطابا وجوديا يلامس الوجدان والمشاعر ونجده في كل شيء في الطبيعة والإنسان والحيوان وفي كل ما أبدعه وخلقه الله وفي سمة الجمال. يقول الدكتور سيد عبد الحليم الشوربجي في مقاله تحت عنوان الشعر الإسلامي “وقفة مع الدعاوي المخطئة”والمنشور بموقع الألوكة “الأدبية واللغوية”:

..الشِّعْر الإسلامي شِعرٌ يُخاطب النفوس السليمة ويَخترق المشاعر الحيَّة، فهو يعمل على إثارة كوامِن الخير في النُّفوس ويُحارب دوافع الشَّرِّ فيها، ويَحفِزها إلى العمل الصَّالح، وليْس بالضَّرورة أن يكونَ ذلك عن طريق الوعْظ المباشِر؛ بل يُمكن أن يغلَّف ذلك في عمل فني أدبي يقرِّب الفكرة إلى المتلقِّي، ويُحبِّبها إلى نفسه في صورة أدبيَّة تَحمل جماليَّات العمل الفنِّي الَّذي يَخترق المشاعر والأحاسيس قبل أن يُخاطِب العقل ويطْرح الرُّؤى والأفكار.

ويُخطئ مَن يعتقد أنَّ المقصود بالشِّعْر الإسلامي هو شعر المناسبات الدينيَّة، أو الشِّعْر الهائم في الخيالات الصوفيَّة البعيد عن الواقع، لا، بل إنَّ الشِّعر الإسلامي أشمل من ذلك بكثير، وأوْسع من هذه الدَّائرة التي حوصر فيها ردحًا من الزَّمن، فهو الشِّعْر الَّذي يحمل في مضامينه روعة الفِكْرة الإسلاميَّة، وفي أشكالِه جماليَّات لُغتنا العربيَّة الأصيلة التي تتدفَّق مفرداتُها بالمشاعِر والأحاسيس الموحية والمعبِّرة عمَّا في النُّفوس في كلِّ حالاتِها المزاجيَّة المختلفة، وهو الَّذي يعكس الواقع ويعبِّر عنْه برؤيةٍ سليمة وَفْقَ تصوُّرات ومفاهيم الإسلام، بعيدًا عن التصوُّرات المنحرِفة والمفاهيم الزَّائفة”انتهى”

ونلمس نفحته الإسلامية في أغلب قصائده ونسوق مقتطفات من بعضها على سبيل المثال في قصيدته هل تبدأ الثورة من محاجر امرأة

يسألني عنك جلال الدين

حين يغني شوقه

وحين يشكو لوعة الفراق ليلا..

نايه الحزين

خولة كانت في دمي سيفا من النور ..

يفر من حصار الزنج والقرامطة

من الظلال والرمال ..

والشواطئ التي تفضي إلى الجحيم

تقول لي : لا تستقيم حلل التقوى

مع البهارج المرقطة

أقول : يا أيتها الغزالة المرابطة

لم تكن البلجاء

نعامة ربداء

ولم تكن نسيبة في أحد

قعيدة العطور والحناء

فلنقتل الطقوس والشعائر التي تراك

دمية محنطة

ولنفتح أزمنة النقاء

تنهض كمشكاة بها مصباح

يصعد من عيونها : حي على الفلاح

تجيبها المآذن الشماء

في وجدة..

في بغداد ..

أو في الناصرة

فيفزع الملوك والقياصرة

وددت لو مت ..

بحجرة الوردة الخضراء واحتوتني

وفي رداء النور مرضتني.

يقول د. نجيب الكيلاني وهو من أوائل المنظِّرين للأدب الإسلامي: “الأدب الإسلامي لايمكن أن يصدر إلا عن ذات نعمت باليقين، وتشبعت بمنهج الله، ونهلت من ينابيع العقيدة الصافية ومن ثَمَّ أفرزت أدبا صادقا وعبرت عن التزامها الذاتي الداخلي دونما قهر أو ارغام  “انتهى”  أنظر

عبد العزيز الرفاعي في مؤلفه الأديب المسلم بين الإلتزام والإبداع.

وهذا ما اتسم به الشاعر الدكتور حسن الأمراني من إخلاصه في تبني أدب إسلامي إنساني معتمدا على التوجيه والإرشاد والحث والموعظة و على الكلمة الطيبة ومستلهما ذلك من الكتاب والسنة وقول الصحابي ومواقف الصالحين.

إن ديوان ثلاثية الغيب والشهادة قد يظهر و كأنه قصيدة واحدة مكتملة البناء مختلفة المرامي متقاربة المعاني ذات نسق شعري يتناغم مع جرس موسيقي واحد إلا أن الديوان هو مجموعة قصائد تختلف تركيبة كل قصيدة عن الأخرى برغم نفس الشاعر الشعري الواحد إذ أن لكل قصيدة نبضها وإحساسها وقوة بنائها يستخدم الشاعر المفردات القوية المؤثرة ليكون حديثه غير ممل ولا يكتنف معناه غموض فيرجع القارئ إلى زمن الشعر الجميل ليقف معه على أسماء وأماكن وأزمنة كانت نبراسا وسيراجا منيرا

يقول الدكتور عبد الرحمان بو علي في مقال له منشورا بمنتديات ستار تايمز تحت عنوان

شعرية الاسم وتوظيف الرمز في شعر الشاعر حسن الأمراني:

إن الكتابة الشعرية في حقيقتها هي تعبير خاص، وخصوصية هذا التعبير ناتجة عن مهارة الشاعر وقدرته على تحقيق الجمال المطلوب. معناه أيضا أن الشاعر (والشعر أيضا لأنهما صنوان) إذا لم يمتلك الأدوات الكفيلة بإنتاج المعنى أولا، والكفيلة بإنتاج الإحساس بالجمال ثانيا، وبإنتاج الإحساس بالغموض ثالثا، وبإنتاج الإحساس بالخيال رابعا، وبإنتاج البناء المتناهي في الدقة خامسا، لا يمكن أن تتحقق له الشاعرية”انتهى”

والشاعرحسن الامراني يذكر ويذكر بذلك؛ يقول في قصيدة اعتذار إلى أبي أيوب الانصاري:

أقدم اعتذاري

إليك يا جوهرة الصحراء

يا لؤلؤة البحار

يا مجمع البحرين

يا معلمة الفتحين

يا سيدة الاقمار

أقدم اعتذاري

إليك يا ناشرة السلام

يا قاهرة الظلام

يا عاصمة الخلافة الخضراء

من جحافل اليهود والعلوج

من مطارق الكفار

يا قلعة الفاتح ..

يا بشارة الرسول ..

يا مدينة القباب والمآذن الصواري

صوفيا الشهيد شاهد يبوح للعشاق بالأسرار

رأيت في محرابه

صوتا ندى الروح بالتسبيح والصلاة

يرطب الشفاه

“ألا أستمع للناي غنى وبكى !”

كان جلال الدين

ونايه الحزين

ينمنمان الحزن والفرح

قوس قزح

على جباه الشجر المرمي في شواط

البوسفور

والمتحف الحربي باسم الله

كان صوته الأخضر يعلو

ناسجا ملحمة خضراء

من رحم الحروف

والأشياء

أقدم اعتذاري

أنا الذي خلف أمير مكة

قاتلت ضد نفسي

أنا الذي بمدية الغدر

حززت رأسي

أنا الذي باسم العروبة الشقية

انسلخت عن دمي

ثم رأيت المجد كل المجد في مرفأ

الإنتحار

أقدم إعتذاري

يا صولة التاريخ

يا مجدي الذي وأدته

يوما على رصيف الانتظار .

آثرت التركيز على هذه القصيدة الجميلة والرائعة والتي ألقاها الشاعر حسن الأمراني في أستنبول في 16 اغسطس من سنة 1989 بغابة بلكراد بمناسبة انعقاد المؤتمر الثاني لرابطة الأدب الإسلامي العالمي بأستنبول؛ وقد وجدت بها نفسا في التناص مع الشاعر السوري رحمه الله نزار قباني وأرى أن الشاعر الأمراني ربما يكون من معجبيه وممن أثرت فيه أشعاره زمن الشباب وإن كان منهاجهما مختلفا وقد يلتقيان في فن جمال الصياغة وإحكام مبنى ومعنى القصيدة

وإليكم قصيدة نزار

قصيدة أعتذار لأبي تمام

أحبائي :

إذا جئنا لنحضر حفلة للزار ..

منها يضجر الضجر

إذا كانت طبول الشعر ، يا سادة

تفرقنا .. وتجمعنا

وتعطينا حبوب النوم في فمنا

وتسطلنا .. وتكسرنا

كما الأوراق في تشرين تنكسر

فإني سوف أعتذر ..

أحبائي

إذا كنا سنرقص دون سيقان ..

كعادتنا

دون خطب دون أسنان …

كعادتنا ..

ونؤمن دون إيمان ..

كعادتنا ..

ونشنق كل من جاؤوا إلى القاعة

على حبل طويل من بلاغتنا

سأجمع كل أوراقي..

وأعتذر..

فالشاعر يعتذر بطريقته محملا نفسه وهن وضعف وتفكك أمته وانهيار صرح مجدها

وحتى نلمس ذلك التقارب بين الشاعرين الكبيرين حسن الأمراني ونزار قباني يضيف هذا الأخير :

إذا كنا سنبقي أيها السادة

ليوم الدين .. مختلفين حول كتابة الهمزة.

وحول قصيدة نسبت إلى عمرو بن كلثوم.

إذا كنا سنقرأ مرة أخرى

قصائدنا التي كنا قرأناها ..

ونمضغ مرة أخر

حروف النصب والجر ..

التي كنا مضغناها

وفي هذا المعنى المحفوف بالسؤال والضجر يقول الدكتور حسن الأمراني

أدارى عاشقا من بلاد الجليد

يصاحب نورك ..

أسأله عنك ..

يقرأ لي من كتاب النديم

“أ كان القرآن أزليا؟

ما لي بذلك علم أو كان القرآن مخلوقا؟

لست أدري

أما أنه كتاب الكتب

فذلك ما أومن به

كما ينبغي أن يومن به المسلم “.

إن اهتمام الشاعر وتشبته بقيم الشريعة الإسلامية تجعل منه الشاعر الإنسان الذي لا يذخر جهدا إلا ليعلن ايمانه وحسن الظن بالله فهو وحده من يعلن بدء الزمن الجميل

وندرج ما تفضل به الدكتور محمد أبو أسامة دخيسي إذ يقول :

في أطروحته لنيل الدكتوراه في الأدب العربي في موضوع: الشعر المغربي المعاصر بين ثبات الدلالة وتحولاتها:

من الواضح أن كل توجه يضبط العملية الإبداعية، إنما يكون دافعا قويا لجعل المبدع في منأى عن اعتباطية شعره. ويوجهه إلى تبني رؤية شعرية وشعورية قوية، تحمل من المعاني أسماها، ومن الجماليات ما يولد فيها الصور البديعة

يقول حسن الأمراني في قصيدة (مكابدات ابن عمر):

فـَلا تـَعْجَبي مِنْ ذُهُولي

وَقـَدْ أوْرَقـََتْ فِي دَمي الكـَلِمَاتْ

وتِلـْكَ القـَصَائِدُ تـَتـْرَى

وقـَلـْبِي إذا مَا ذكَرْتـُكِ يَغْبِطُهُ الشـُّعَراءْ

وأغـْفـُو عَلى الحُزْنِ إغْفاءَ طائِرِ شـَوْقٍ بَكى

أتـَوَضَّأ ثـُمَّ أصَلـِّي

أقولُ ٱتـْبَعِيني إلـَى وَطَنِ الأنـْبـِيَاءْ

فيجمع الشاعر بين مرجعيته الدينية التي تنهل من القرآن صفات روحانية، ليقوم بتجسيدها وفق التصور الفني الذي يتميز به الشاعر على طول تجربته الشعرية. كما يبقى السبيل إلى هذا التحول الدلالي رهين الإيمان بفاعلية الإبداع في تحريك وجدان المتلقي وفكره “انتهى”.

ونلمس ذلك في قول الشاعر :

فلا تعجبي أن تحف المكاره دربك

لا يخلف الوعد ..

فاتشحي نورك القدسي

ومدي إلى سدرة المنتهى

دعوة من سراج النبوة

تبعث هدي الخليل

إن المتمعن في شعر الرجلين يجد وكأن النفس الشعري لهما واحدا حتى وإن اختلفت رؤى كل واحد منهما يقول نزار

ونتلوه كما نتلو كلام الزير أو عنت

إذا كانت هموم الشعر يا سادة

أبا تمام، دار الشعر دورته

وثار اللفظ .. والقاموس..

ثار البدو والحضر .

ومل البحر زرقته .

ومل جذوعه الشجر

ونحن هنا .

كأهل الكهف .. لا علم ولا خبر

فلا ثوارنا ثاروا . .

ولا شعراؤنا شعروا ..

أبا تمام : لا تقرأ قصائدنا ..

فكل قصورنا ورق ..

وكل دموعنا حجر ..

أبا تمام : إن الشعر في أعماقه سفر

وإبحار إلى الآتي ..

وكشف ليس ينتظر

ولكنا .. جعلنا منه شيئا يشبه الزفاف

وإيقاعا نحاسيا، يدق كأنه القدر ..

أمير الحرف .. سامحنا

فقد خنا جميعا مهنة الحر

وأرهقناه بالتشطير ،

والتربيع ، والتخميس ، والوصف

أبا تمام .. إن النار تأكلن

وما زلنا نجادل بعضنا بعضا .

عن المصروف ..

والممنوع من صرف ..

وجيش الغاصب المحتل

ممنوع من الصرف!!

وما زلنا نطقطق عظيم أرجلنا

ونقعد في بيوت الله ننتظر .

بأن يأتي الإمام على ..

أو يأتي لنا عمر

ولن يأتوا .. ولن يأتو

فلا أحدا بسيف سواه ينتصر .

أبا تمام

إن الناس بالكلمات قد كفروا

وبالشعراء قد كفروا.

فقل لي أيها الشاع

لماذا الشعر – حين يشيخ –

لا يستل سكينا .. وينتحر؟

يقدم كل من الشاعرين اعتذارهما لشخصين مختلفين في الزمن والمكان فالشاعر حسن الأمراني يختار من تأسست الدولة الإسلامية ببيته ومن ناخت ناقة رسول الله عند عتبة داره فنزل عند أبو أيوب الأنصاري خالد بن زيد بن كليب الخزرجي النجاري، صحابي من الأنصار، شهد بيعة العقبة وغزوة بدر وغزوة أحد وسائرَ المشاهد مع رسول الإسلام محمد، وهو الذي خصَّه الرسولُ محمدٌ بالنزول في بيته عندما قدم المدينة المنورة مهاجراً، وأقام عنده.. .

أحد وجهاء يثرب وصلحائها

واختار نزار قباني لتقديم اعتذاره: أبو تمام

حبيب بن أوس بن الحارث الطائي؛ أحد الشعراء المتميزين في العصر العباسي، تميز في فنون الشعر المختلفة من مدح وهجاء ووصف وغزل وغيرها، وإن كثر المدح والرثاء في شعره الحافظ لأربعة عشر ألف أرجوزة غير القصائد”، نهل من معين القرآن الكريم وكتب التاريخ والفقه والنحو أحد دعائم وركائز الشعر العربي صاحب القصيدة الشهيرة في فتح عمورية:

السيف أصدق أنباءً من الكتب

في حده الحد بين الجد واللعب

بيض الصفائح لا سود الصحائف في

متونهن جلاء الشك والريب

والعلم في شهب الأرماح لامعةً

بين الخميسين لا في السبعة الشهب

أين الرواية بل أين النجوم وما

صاغوه من زخرفٍ فيها ومن كذب

تخرصاً وأكاذيباً ملفقة

ليست بنبعٍ إذا عدت ولا غرب

عجائباً زعموا الأيام مجفلةً

عنهن في صفر الأصفار أو رجب

وخوفوا الناس من دهياء مظلمةٍ

إذا بدا الكوكب الغربي ذو الذنب

وصيروا الأبراج العليا مرتبة

ما كان منقلباً أو غير منقلب

يقضون بالأمر عنها وهي غافلةٌ

ما دار في فلكٍ وفي قطب

لو بنيت قط أمراً قبل موقعه

لم تخف ما حل بالأوثان والصلب

فتح الفتوح تعالى أن يحيط به

نظمٌ من الشعر أو نثرٌ من الخطب.

كثيرة هي الأسماء التي يرجع إليها الشاعر الدكتور حسن الأمراني ذات الوزن التاريخي والحمولة الإسلامية فنذكر منها بعضا مما وقفنا عليه في شعره

مجنون ليلى، مجنون بثينة، جلال الدين، نسيبة في أحد، نبي الله يونس، عميرة، الاقينوس، طارق بن زياد، أبو أيوب الأنصاري، صوفيا ، الشهيد ، أمير مكة ،طاغور، الخليل ..

يقول الدكتور عماد الدين خليل : مع الشاعر نتخير الأسماء ..قد يجيء ( صلاح الدين ) بدل (ابن الوليد ) ..وقد يأخذ (عز الدين القسام )مكان ابي ايوب الانصاري وقد يتسلم) عبد الرسول السياف) الراية من محمود الغنوزي ..لكنهم في نهاية الأمر يتوحدون يصبحون رمزا واحدا لقضية واحدة تمتد مع الزمن ..تنتشر في المكان ..تنتظر الوعد أو الشهادة “انتهى”

وفي ديوان ثلاثية الغيب والشهادة نرصد أسماء القبائل والأمكنة مثل:

الزنج، والقرامطة، جبل أحد؛ مملكة الله، وجدة، بغداد، الناصرة، القياصرة، نجد، اليمامة، بني قريظة، المسجد الأقصى، كابول، بحر المحيط، الأندلس، أرمرو، جبل الكرمل، سدرة المنتهى ، الصحراء، اليهود، والعلوج، أسطنبول،

في هذا الديوان ثلاثية الغيب والشهادة الصغير الحجم الكبير الدلالة نجوب أمكنة و أزمنة مختلفة ومتباعدة ونقرأ أجمل المفردات و أروع المعاني وبديع الصور الفنية والتنغيمات الموسيقية ونسبح في بحور أوزان عروضها ..

أولا الصور الفنية. إن الإبحار مع الشاعر حسن الأمراني متعة وسفر مريح وكلما قربت الرحلة على الإنتهاء رجوت أن تطول المسافة أكثر وأكثر وحيث أن لكل بداية من خاتمة آثرت أن أقستم مسكها مع القارئ باستعراض أهم خصائص الصور الفنية المعتمدة في ديوان ثلاثية الغيب والشهادة ومتنها وبحرها وبلاغتها وإيقاعها وجرسها الموسيقي

والملاحظ أن الشاعر شديد الإلمام بالأوزان العروضية وطريقة استعمالها في القصيدة الحديثة حيث يعتمد نظام السطر الشعري بدل نظام الشطرين مع تفاوت عدد التفعيلات وتنويع القافية والروي على غرار كل قصائد الشعر الحديث

هذا كله يدل على سعة إطلاع الشاعر حسن الامراني على العروض و أوزانه، وتمكنه من الموروث الشعري العربي القديم والحديث كما أشار إلى ذلك فضيلة الدكتور نورالدين أعراب الطريسي في مقاله قراءة في جسر  على نهر درينا للشاعر حسن الأمراني 

ثانيا: الرؤيا والتناص والصور الشعرية :

يقول الدكتور نور الدين أعراب الطريسي في إحدى مداخلاته ردا على أحد المتنطعين والمتربصين بالشعراء بالقول على لسان “رولان بارت” أن الشعر هو الأسلوب فاللغة عند البنيويين مشتركة تتميز بطابعها الجمعي المشترك بين كل الشعراء والكتاب، ولا يمكن أن نميز بين شاعر وآخر إلا بواسطة الأسلوب فهو الذي يحمل خصائص الفرد الذاتية والمختلفة “انتهى”

وبناء عليه نقول أن الشاعر المتميز حسن الأمراني يتميز بنصوص تحمل رؤيا دينية، مشبعة بحمولة إسلامية وصورة بيانية شعرية تمتح من الرموز التاريخية الإسلامية والإنسانية بالدرجة الأولى وتتجلى هذه الرؤيا الإسلامية العميقة في إيمان الشاعر بالبعث الجديد للأمة الإسلامية والعودة إلى ماضيها المشرق وتاريخ الإنتصارات والبناء الحضاري في القرون الماضية. وهي رؤيا مشرقة مفعمة بالأمل في غذ أفضل والأحسن والأجمل. من هذه الصور الرمزية التي يعتمد عليها الشاعر نقرأ: خولة كانت في دمي سيفا من النور ..يفر من حصارها الزنج والقرامطة الصفحة 14

ثم أيضا التناص مع القرآن الكريم :تنهض من مملكة الله، كمشكاة بها مصباح الصفحة 16 ونقرأ له أيضا هذا الرمز التاريخي والديني ،رأيت في سوق بني قريضة ،دما على جبين لؤلؤة الصفحة 21

يجيء عام الحزن ” كان أبي متوجا بالنور ..” والقمر المسجور (الصفحة 27)

ونجد أيضا هذا الرمز التاريخي :

يتقدم عقبة من جسد البحر

يرسل ناظرة للسحاب المرابط

في الأفق (الصفحة ) 40

وهكذا نجد رموزا تاريخية ودينية عربية وإسلامية متعددة في قصائد الشاعر الأمراني وليس رمزا واحدا حيث يطالعنا طارق بن زياد وأبو أيوب الانصاري الصحابي الجليل، وغيرهما كثير، يوظفهما الشاعر لخدمة الرؤيا الشعرية العميقة التي يصدر عنها في كتاباته الشعرية كلها وهي رؤيا مرتبطة بالإيمان بعودة المجد العربي الإسلامي مجددا وزوال عهد الهزيمة والموت والتخلف، وتأخذ هذه الرؤيا الشعرية أيضا شكل افتخار بهذه الأمجاد العظيمة التي سطرتها الأمة الاسلامية؛ في مختلف مراحلها التاريخية ضد أعدائها من الظالمين والغزاة والمتسلطين على الشعوب العربية الإسلامية، والمحاربين لها في دينها وعزتها وكرامتها، لكنها أمة تأبى ألا ترى سبيلا للعزة والكرامة والسيادة إلا في تمسكها بدينها العظيم وشريعة ربها ونبيها محمد صلى الله عليه وسلم. إضافة إلى الرموز التاريخية والدينية، يعتمد شاعرنا الكبير حسن الأمراني أيضا على نوع آخر من أنواع الصور وهي الصورة الإستعارية فنجده مثلا يوظف هذه الإستعارات: الغزالة المقدسة -أدمعا شدت نياط القلب – تخرج من دفاتري عصفورة خضراء – غراب البين -جفون القمر المذعور – بين الوردة المعشوقة – ظلام يأسي العاتي – دعوت وردتي إخلى الدخول – عصفورة الرماد- رأيت في محرابه صوتا ندي الروح – أ هكذا يموت الضياء ؟- يغسل الحزن..

تدل كل هذه الصور الإستعارية على تمكن الشاعر الأمراني من نظريات الصورة الشعرية في النقد الغربي الحديث القائمة على الإنزياح عن المألوف والعادي والمتداول لتدخل الصورة في عالم من الإنزياحات بين المسند والمسند إليه والغموض الفني العميق والدال .

واستعمل الشاعر التشبيه كما نجده في  الصفخة 16 بقوله :كمشكاة ..وفي الصفحة 14 : خولة كانت في دمي سيفا من نور وأيضا في الصفحة 16: كمشكاة فيها مصباح وفي الصحة 19: كالملك المهزوم وفي الصفحة 27: فيسبح الأطفال ،كالاسماك ..ثم وكان أبي كالنخلة الهيفاء ..وفي الصفحة 42 : كالنسمة الهامسة

وأيضا في الصفحة 43:

 فلاذ بأحزانه كخيال برته المنون

يمثل ديوان ” ثلاثية الغيب والشهادة ” بالنسبة إلي تذكارا جميلا تسلمت نسخته من يد الشاعر في حقبة زمنية كان للشعر وهجه وفي سنة صدوره كنت أقرأه من حين لآخر وأرجع إليه مستلهما معانيه ومقتبسا في استعمال بعض ألفاظه ومستعيرا جمله ومستشهدا بكثير مما كان يكتبه الشاعر الناقد الأديب الدكتور أستاذي حسن الأمراني الرجل الذي لا يحب الإطراء والمدح والثناء عليه لتواضعه وأخلاقه وتشفع لي عنده محبتي الصادقة له وتأثري بنهجهه، إذ أعتبره بمنزلة أخي الأكبر

والعاقل اللبيب من يعتبر الأستاذ والمربي بمثابة والد

حفظ الله لنا مقام شاعرنا الناقد والأديب الدكتور حسن الامراني وجزاه الله الجزاء الأوفر الصحة والعافية في الدنيا والجنة والنظر إليه في الآخرة

وأستسمح القارئ فيما إذا كنت أطنبت أو قصرت فإن أصبت فمن الله وإن أخطأت فمن نفسي والله من وراء القصد.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *