“ ريف رس ” 19 أكتوبر 2026
مراسلة
من خلال قصة زوجين يواجهان مخاوفهما الذاتية، تستكشف المسرحية حدود التواصل الإنساني، وصراع الإنسان مع صورته عن نفسه ونظرته إلى الآخر.
قدم نادي الحسيمة للمسرح مسرحيته “أمر” بقاعة سينما إسبانيول بمدينة تطوان، ضمن فعاليات الدورة السادسة والعشرين للمهرجان الوطني للمسرح، في عمل فني يطرح إشكالية التواصل داخل العلاقات الإنسانية، ويكشف كيف يمكن للخوف من الرفض وصعوبة تقبل الذات أن يحوّلا الرغبة في التقارب إلى صراع ينتهي بالعنف والصمت.
المسرحية من تأليف أحمد السيباع، وإخراج وسينوغرافيا يوسف العرقوبي، فيما جسّد أدوارها كل من هدى أبعير ومحمد بنسعيد، معتمدة على صيغة «الديودراما» التي تقوم على شخصيتين تتقاطع رغباتهما وتتصادم مخاوفهما داخل علاقة زوجية تعاني من صعوبة الحوار والمواجهة المباشرة.
عقدة المظهر.. صراع يتجاوز حدود الجسد
تتخذ مسرحية «أمر» من الاختلاف في شكل الأنف نقطة انطلاق لبناء صراع نفسي وإنساني أعمق؛ فالمرأة تخجل من أنفها الطويل، بينما يشعر الرجل بالحرج من أنفه الضخم. لكن هذا الاختلاف الجسدي لا يمثل سوى واجهة لصراع يرتبط بالصورة التي يحملها كل منهما عن ذاته، وبالخوف من أحكام الآخرين والسخرية والرفض.
ومن خلال هذه الفرضية، يضع العمل مسألة تقبل الذات في قلب العلاقة الزوجية، كاشفاً أن العائق أمام التواصل لا يكمن دائماً في الاختلاف ذاته، بل في الطريقة التي ينظر بها الإنسان إلى نفسه، وفي عجزه عن التصالح مع نقاط ضعفه ومواجهة الآخر دون خوف أو تحفظ.
حين تعجز وسائل التواصل عن تحقيق التفاهم
لا يقتصر البناء الدرامي للعرض على الحوار التقليدي، بل يوظف الصور والذكريات والرسائل وألعاب العراك والقتال باعتبارها وسائل للتعبير والتقارب بين الشخصيتين. غير أن هذه الوسائط، بدل أن تفتح الطريق أمام مواجهة صريحة، تتحول تدريجياً إلى وسائل لتأجيل الاعتراف بالمخاوف الحقيقية التي تحكم العلاقة.
ومع تصاعد التوتر، تتراجع قدرة الشخصيتين على احتواء خلافاتهما، ليتحول التواصل من محاولة للتفاهم إلى صراع، قبل أن ينتهي إلى الصمت، في مسار درامي يكشف هشاشة العلاقة عندما يعجز الحوار عن تجاوز الحواجز النفسية والأحكام المسبقة.
ومن خلال هذا التحول، تطرح المسرحية مفارقة إنسانية لافتة: فوجود وسائل متعددة للتواصل لا يعني بالضرورة القدرة على الفهم، كما أن القرب العاطفي لا يضمن دائماً الشجاعة اللازمة لمواجهة الآخر بصدق ووضوح.
الديودراما.. شخصيتان وصراع مفتوح على التأويل
تمنح صيغة الديودراما العمل تركيزاً على التفاصيل الدقيقة للعلاقة بين الزوجين، حيث تصبح الحركة والانفعالات والصمت عناصر أساسية في التعبير عن التوتر الداخلي للشخصيتين. ويتيح هذا الاختيار إبراز التناقض بين الرغبة في بناء علاقة مستقرة والخوف من الانكشاف أمام الآخر.
ولا تتوقف أسئلة «أمر» عند حدود العلاقة الزوجية، بل تمتد إلى طبيعة العلاقات الإنسانية عموماً، وإلى قدرة الإنسان على تقبل الاختلاف والاعتراف بهشاشته بعيداً عن الصور النمطية والتوقعات المسبقة.
وبذلك، يتحول المظهر الجسدي من مجرد تفصيل في الحكاية إلى مدخل لمساءلة أعمق تتعلق بالقبول الاجتماعي، والصورة الذاتية، وحدود الحوار، وإمكانات تحول الخلاف إلى عنف عندما يغيب التفاهم.
عرض يفتح باب النقاش النقدي
من خلال النص الذي كتبه أحمد السيباع، والرؤية الإخراجية والسينوغرافية ليوسف العرقوبي، وأداء هدى أبعير ومحمد بنسعيد، يقدم نادي الحسيمة للمسرح تجربة تضع التواصل الإنساني أمام اختبار صعب، وتدعو إلى التأمل في العلاقة المعقدة بين الرغبة في الاقتراب والخوف من انكشاف الذات.
ويأتي هذا العرض ضمن البرمجة الفنية للدورة السادسة والعشرين للمهرجان الوطني للمسرح، الذي يشكل فضاءً لالتقاء التجارب المسرحية وفتح النقاش حول اختياراتها الفنية والجمالية ودلالاتها الفكرية.
كما يشكل النقاش المرتقب حول المسرحية، بمشاركة النقاد والصحافيين والحضور، فرصة لتبادل القراءات بشأن مضامين العمل ورؤيته الفنية، والأسئلة التي يثيرها حول التواصل والاختلاف والعلاقات الإنسانية.
«أمر».. حين لا يكون التحدي في الاقتراب من الآخر، بل في القدرة على مواجهته وتقبله كما هو، دون أن يتحول الخوف من الذات إلى حاجز يمنع التفاهم.











