الرئيسية / وطنية / من البساطة إلى الثراء .. حين تصبح المسؤولية طريقاً إلى الغنى بلا مساءلة
وطنية

من البساطة إلى الثراء .. حين تصبح المسؤولية طريقاً إلى الغنى بلا مساءلة

2026-10-03 17:37 2 دقائق قراءة 0 تعليقات

” ريف رس ” 3 اكتوبر 2026

في الحياة السياسية، لا شيء تثير أسئلة المواطنين أكثر من رؤية بعض الوجوه التي كانت بالأمس تعيش حياة متواضعة، ثم وجدت نفسها بعد تقلد مناصب ومسؤوليات عمومية في وضع مالي واجتماعي مختلف تماماً.

ليس امتلاك المال جريمة، وليس نجاح السياسي أو المسؤول في تحسين وضعه المادي دليلاً تلقائياً على الفساد. لكن عندما يحدث تحول مالي كبير خلال فترة تولي المسؤولية، فمن الطبيعي أن يطرح المواطن سؤالاً مشروعاً، من أين جاءت هذه الثروة؟ وهل تتناسب مع المداخيل والتصريحات والمصالح المعلنة؟.

المشكلة الحقيقية تبدأ عندما تغيب الشفافية، وتتراجع آليات المراقبة والمساءلة، ويشعر المواطن بأن بعض المسؤولين يعيشون فوق قواعد المحاسبة التي يفترض أن يخضع لها الجميع.

فالمال العام ليس غنيمة، والميزانيات العمومية ليست ملكاً للأشخاص الذين يتولون تدبيرها، وإنما هي أموال المواطنين، تُجمع من الضرائب والرسوم ومن مختلف موارد الدولة والجماعات والمؤسسات العمومية، ويجب أن تُصرف وفق القانون وبما يخدم المصلحة العامة.

وحين تتراكم علامات الثراء غير المفسر حول مسؤول منتخب أو مسؤول عمومي، فإن المطلوب ليس إطلاق الاتهامات جزافاً، وإنما فتح باب الشفافية والتحقق والمساءلة القانونية. فالمحاسبة لا تعني إدانة أحد مسبقاً، بل تعني التأكد من أن كل ثروة أو منفعة حصل عليها المسؤول لها مصدر مشروع وقابل للتفسير.

المواطن لا يريد خطابات انتخابية عن محاربة الفساد بقدر ما يريد مؤسسات تقوم بواجبها. يريد أن يعرف كيف تُدبر الميزانيات، وكيف تُمنح الصفقات، وكيف تُراقب المشاريع، ومن يستفيد منها، وما إذا كانت قواعد تضارب المصالح واحترام المال العام تُطبق على الجميع دون استثناء.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول المسؤولية العمومية من تكليف لخدمة المواطنين إلى فرصة لبناء الثروة والنفوذ. وعندما يترسخ هذا الانطباع، تتضرر الثقة في المؤسسات وفي السياسة وفي الانتخابات نفسها.

لذلك، فإن المطلوب اليوم ليس التشهير بالأشخاص، ولا إطلاق أحكام مسبقة، وإنما ترسيخ قاعدة بسيطة: من يتولى مسؤولية تدبير المال العام يجب أن يكون مستعداً دائماً لتقديم الحساب.

الثروة المشروعة لا تخشى الشفافية، والمسؤول النزيه لا يخشى السؤال، والمؤسسات القوية لا تخشى التحقيق.

أما المال العام، فليس مالاً بلا صاحب، إنه مال الشعب، وكل من يتولى تدبيره يجب أن يعرف أن المسؤولية تسبق الامتياز، وأن المنصب تكليف قبل أن يكون تشريفاً، وأن السؤال عن مصدر الثروة ليس اعتداءً على أحد، بل جزء من حق المجتمع في معرفة كيف تُدار شؤونه.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *