” ريف رس ” 25 شتنبر 2026
تتداول الأدبيات السياسية والفكرية مقولة شهيرة مفادها أن الشعب الذي ينتخب الفاسدين والانتهازيين والمحتالين والناهبين، لا يُعتبر ضحية، بل شريكًا في الجريمة. وتطرح هذه المقولة إشكالية عميقة حول حدود المسؤولية الأخلاقية والسياسية للمواطن في المنظومات الديمقراطية والمجتمعات الحديثة.
إن عملية التصويت في الانتخابات ليست مجرد ممارسة لحق دستوري مكفول، بل هي أمانة وواجب وطني يترتب عليه رسم معالم المستقبل وتحديد إدارة الشأن العام. فعندما يمنح الناخب صوته لمرشح يعلم بفساده أو عدم كفاءته سواء كان ذلك بدافع المصلحة الشخصية الضيقة، أو الرشوة الانتخابية، أو الروابط العائلية والفئوية فإنه يتنازل عن دوره كرقيب ويتحول إلى أداة لتمكين الفساد وتكريسه.
وتتجلى الشراكة في الجريمة السياسية عندما يغيب الوعي الجماعي ويحل محله الاستهانة بأهمية الصوت الانتخابي. فإن إعادة إنتاج الفساد عبر صناديق الاقتراع تسهم مباشرة في تدهور الخدمات العامة من تعليم وصحة وبنية تحتية نتيجة سوء التسيير ونهب المال العام، كما تؤدي إلى إضعاف المؤسسات وتفكيك دولة الحق والقانون لصالح المحسوبية على حساب الكفاءة وتكافؤ الفرص، فضلاً عن قتل الأمل لدى الأجيال الصاعدة وإشاعة حالة من اليأس والعزوف الشامل عن المشاركة السياسية.
ولا يمكن القضاء على الفساد السياسي بالتذمر والمطالبة بالإصلاح دون ممارسة نقدية ذاتية للسلوك الانتخابي، فالخروج من هذه الدائرة المغلقة يتطلب ترسيخ الوعي السياسي وتغليب المصلحة الوطنية العليا على المكتسبات الفردية المؤقتة، ومحاسبة المنتخبين ومتابعة برامجهم وسجلات نزاهتهم قبل منحهم الثقة، والتمييز الواعي بين الخطاب الشعويي الزائف والبرامج الملموسة القابلة للتحقيق.
يبقى الصوت الانتخابي السلاح الأقوى في يد المواطن، فإما أن يُستخدم لبناء دولة المؤسسات والنزاهة، أو يغدو شهادة زور تُشرعن الفساد وتجعل من صاحبه شريكًا مسؤولاً عن نتاجاته وأضراره الممتدة على المجتمع ككل.







