” ريف رس” 5 غشت 2025
حكيم شملال يكتب..
قصة رقم 1
“الأبطال أيضا يهربون”
في مهرجان خطابي، والناس زحام، يتدافعون ليستمعوا إلى البطل الهمام “عباس”، وهو يحكي لهم عما ينتظره من معارك السياسة.
وقف معتليا المنصة، وقال مخاطبا الجمهور بحماسة:
“والله لأكسرن عليهم الطوابل!”
ثم ضرب بقبضة يده بكل قوته على المنصة،
فإذا فأر يخرج من تحتها مهرولا!
رأته امرأة، فصرخت، ثم هربت من المكان،
فتبعها الناس،
والبطل الهمام عباس يركض وراءهم بكل قواه، وهو يصيح:
“شنو واقع تماك؟!”
حكيم شملال
———————————–ء
قصة رقم 2
” المستشفى الحسني قضاء وقدر”
قرر عباس الانتحار، لأنه تعب من رؤية الكمارات ديالنا…
فصعد إلى أعلى جبل يطل على البحر ببويفار، قلعة أبرشان قديما وحديثا.
وقف على صخرة عالية،، ربط بها نفسه بـأصغون (حبل) في عنقه، وشرب السم، ثم أشعل النار في جسده وقفز…
وفي لحظة سقوطه،
أخرج خنجرا ليطعن نفسه…
فأخطأ التصويب، فقطع الحبل.
سقط في البحر، فأطفأت المياه النار المشتعلة في جسده،
وشرب من ماء البحر ما يكفي لحوض مائي،
فتقيأ السم الذي ابتلعه.
وجده صياد مسكين،
فأخذه إلى مستشفى الحسني،
حيث استقبل حيا، سليما، مع جروح سطحية فقط.
لكن…
بفضل سوء النظافة، والإهمال، وقلة الأطر، وغياب الضمير،
مات عباس في المستشفى،
ضحية عدوى قاتلة…
لم تكن في الحسبان…
ولم تكن ايضا من اختراعه هذه المرة.
حكيم شملال
——————–ء
قصة 3
“عباس واستحلال 200 درهم”
عباس استحى أن يبيع صوته في الانتخابات بـ200 درهم،
حتى لا يقال عنه إنه باع ضميره بثمن بخس.
فجاءته فكرة: أن يضخم المبلغ، وأن يجعل العملية “حلالا”.
أخذ من بزطام زوجته (كيس النقود) مصروف البيت: 1000 درهم،
واشترى بها حملا (صغير خروف)،
ثم اشترط على أحد المترشحين أن يشتري منه الحمل بـ1200 درهم،
مقابل أن يمنحه صوته.
رفض المترشح العملية.
عباس، الآن، لا يستطيع الرجوع إلى البيت خوفا من زوجته،
ويبيت ليلته في الشارع قرب محطة الكيران،
ينتظر يوم الخميس ليذهب إلى سوق أزغنغان،
ويبيع حمله، ويسترجع الألف درهم مصروف البيت…
فمن رآه، فليبلغه سلامي.
حكيم شملال
—————ء
قصة 4
“عمدة الغشاش”
بس بس… بس بس… بس…
عباس ينقلب يمينا ويسارا، فرأى زميله “الرئيس” يستنجد به،
فقال له بصوت منخفض جدا:
– آش كاين آ السي الرئيس؟
الرئيس: عافاك، سلك خوك… غير بغيت تفهمني السؤال الأول…
عباس: راك بعيد، لا أسمعك جيدا…
الرئيس: عندك النمرة ديالي، صيفط لي واتساب…
فبعث له عباس رسالة في الواتساب، كتب فيها:
“حسبت هاد الرقم غير موجود، لأني اتصلت بك آلاف المرات من أجل رخصة الكشك… المهم، آش خصك؟”
ردّ عليه الرئيس:
“شوف آ عباس، والله حتى نعطيك الرخصة اللي بغيتي، غير فهمني السؤال الأول…
بغيت نعرف: واش تطبيق القانون رقم 02.13 المتعلق بزجر الغش في الامتحانات المدرسية،
واش كيطبق غير فالمدارس؟ ولا حتى فـ الجامعات؟”
– وقف عندك!
هكذا صرخ أستاذ الحراسة على عباس والرئيس،
صادر هواتفهم، وتم طرد عباس من الجامعة،
أما الرئيس، فعوقب بـإعادة السنة الدراسية.
عباس طرد من الجامعة، ولم يحصل على رخصة الكشك،
وحاليا هو عاطل عن العمل، يحاول “الحريك” إلى إسبانيا…
أما الرئيس، فأصبح الكل يمدحه ويشيد به،
بأنه الشاب النزيه المنتظر لتنمية المنطقة،
وهو الآن ينتظر التزكية لخوض غمار الانتخابات البرلمانية،
من أجل “المساهمة في تشريع القوانين بالمغرب”…
حكيم شملال
———————-ء
قصة 5
” نخبة في زمن الفساد”
اشترك عباس في برنامج “من سيربح المليون” مع جورج قرداحي،
وأُعطي له السؤال التالي:
سؤال: من يقف في صف العدو أثناء الحرب من أهل الوطن؟
1 – منافق
2 – خائن
3 – كاذب
4 – مرتد
ثم أُخبِر أن الجواب يوجد بين الاحتمالات الأربعة.
لكن عباس لم يفهم جيدا الملاحظة الأخيرة، وقال:
“ما دام الجواب موجود بين الاحتمالات الأربعة،
فسآخذ من الجواب الأول حرف النون،
ومن الثاني حرف الخاء،
ومن الثالث حرف الباء،
ومن الرابع حرف التاء…
وهكذا، الجواب الصحيح هو: نخبة!”
ثم أضاف وهو يبتسم بثقة:
“نعم، فعلا.. أنا متأكد أن الجواب النهائي هو نخبة!
لأنه في مدينتي، النخبة هي من اصطفت مع أعداء التنمية،
هي من خذلت الساكنة،
منهم من فضلوا الصمت،
ومنهم من وضعوا رقابهم تحت أقدام الفساد،
راكعين، مطبلين، مهللين لأعمالهم!”
لم يربح عباس المليون.
لم يكن جوابه صحيحا.
لأنه لم يعش حربا ليعرف أن الجواب هو: “خائن”.
لو عاشها لكانت ارحم عليه
لانه سيكون قد ربح المليون
ولعرف ان الجواب هو ” الخائن”
لكنه يعيش الفساد،
فهي الموت البطيء
خاصة حين يخونه نخبة مدينته ومثقفوها.
حكيم شملال
————————-ء
قصة 6
” مطلب المساواة بين الخائنين”
جاء مسرعا يحمل خبرا
للقرية وهو شاهد عيان
يعجله بالنشر ليحمله كل لسان
بأن عباس خان العهد والامان
باع الضمير للشيطان
اصبح مثله مثل العباد والانسان
عمت الافراح بين الاسواق
وزغاريد الرجال في كل مكان
يحمدون الله اننا واخيرا
كلنا سواسية في العار والبهتان
حكيم شملال
يفرحون عندما يبيع احدهم القضية او يتهم بالفساد لانهم يحسون بذلك اننا كلنا سواسية في العار والبهتان
—————————ء
قصة7
“«فخاطر ناس لملاح وفخاطر الفيسبوكيين: حوار على شاطئ تشارانا»”
في حديث صيفي حول الفن والموسيقى بين عباس وسائح من فاس جاء ليستمتع بشاطئ تشارانا هو وعائلته، كان السائح يحكي له بفخر عن صوت ابنه العذب الذي يطرب العقل والقلب.
قال عباس: “اطلب من ابنك أن يسمعنا شيئا…”
فنادى السائح ابنه وقال:
“عزيزي الغالي، غني لنا شيئا مما تحب…”
رد الابن: “حاضر يا بابا، سأغني لكم مقطعا من أغنية صباح فخري…”
حبيبي على الدنيا إذا غبت وحشة
فيا قمري قل لي متى أنت طالع
لقد فنيت روحي عليك صبابة
فما أنت يا روحي العزيزة صانع
قال عباس: “الله على الصوت الجميل، ما شاء الله… لكن أليس هذا النوع من الأغاني أرقى، أعمق، وأغنى فنيا وذوقا؟ ابني أيضا يحب الغناء وله صوت جميل.”
فرد السائح: “ممم، ممكن ذلك. وهل لي أن أسمع لابنك أغنية لأعرف نوع الموسيقى والكلمات التي تفضلها؟”
فنادى عباس ابنه حميتو: “حميتو… تعال، غني لنا شيئا من الأغاني التي تعجبك…”
قال حميتو:
“خا… فخاطرك أبا، وفخاطر العديان
طحن وجبد طريق أخويا وجدارمية مورانا
واللوطو مشارجيا ويا خويا غيكعاو معانا…”
قاطعه عباس ووجهه محمر من الخجل: “لا… ابحث عن أغنية أخرى بكلمات فيها شوق وحنين…”
فقال حميتو: “حاضر، هادي فخاطر الفاسي وبنت الفاسي، زينة ومليحة، غنى:
اعطني نشرب الويسكي باش ننسا عينيك…”
قال عباس: “قوم، الله يسخط عليك، فضحتنا… عيت نوري راسي راجل مثقف ومهم… يلا نمشي فحالنا…”
…
نحن آباء وأمهات الإقليم، لم نكن سدا منيعا ضد كل من يحاول تشويه ذوق أطفالنا ويربي فينا العفن، بمهرجانات خالية من أي فن راق، تستحضر فنا هابطا أخلاقيا وذوقا وكلمات منحطة.
أما مهرجانات غيرنا كمهرجان الروحية في فاس، فهي تربي على الفن والذوق الرفيع.
حكيم شملال
—————————ء
قصة 8 قصة من الواقع
” صديق الرئيس، ها ها ها”
التقى عباس يوما بنكيران في حملة انتخابية بأزغنغان، عندما كان الأخير أمينا عاما لحزبه. جلسا على مائدة الطعام، وتحدثا كثيرا، تطرقا إلى مواضيع شتى ومختلفة عن أحوال الدنيا.
سرعان ما أحس عباس أن هذه بداية لصداقة دائمة، لما لديهما من أفكار ومثل عليا مشتركة. فرح عباس كثيرا لأنه أصبح صديقا لشخصية مهمة في المغرب.
لم تمر أكثر من شهرين عن هذا الحدث حتى أصبح بنكيران رئيسا للحكومة. بدأ عباس يخبر أصدقائه كيف ناضل واجتهد وكافح صديقه حتى صار أهم شخصية في البلاد.
كان عباس يحكي للجميع وفي كل فرصة عن ذكاء صديقه، بل وكان يخلق فرصا ليستعرض حكايات إنجازاته، حتى عرف عند الجميع باسم “صديق الرئيس”.
حين اقترب موعد زفاف عباس، بدأ يهيئ لحفل عرسه، وأخبر جميع أهله وأصدقائه وأبناء حيه ومدينة أزغنغان أن رئيس الحكومة سيحل ضيفا عليهم، لأنه سيكون أول المدعوين إلى حفلة عرسه.
قرر عباس أن يسافر إلى العاصمة لدعوة صديقه شخصيا. ذهب إلى منزل رئيس الحكومة مباشرة، وطلب من الأمن المتواجد على باب المنزل مقابلة صديقه.
رفض الأمن طلبه، ولم يسمح له بالدخول، لأن اسمه غير موجود في لائحة الزيارات، وأخبروه أنه إذا كان فعلا صديقه، فيتوجب عليه الاتصال بهاتف الرئيس الشخصي، لأنهم – حسب التعليمات – لا يملكون صلاحية السماح بالدخول أو الخروج أو إعطاء رقم الهاتف لأي شخص إلا بإذن منه شخصيا، وذلك حفاظا على أمنه وسلامته.
لم يجد عباس سوى أن ينتظر قرب الباب على أمل أن يخرج رئيس الحكومة ويلتقي به مباشرة. مرت ساعات حتى حل الظلام، فذهب عباس إلى فندق قريب ليقضي ليلته، فهو لا يستطيع العودة إلى أزغنغان دون دعوة صديقه رئيس الحكومة إلى عرسه.
ظل عباس ينام في الفندق، ويلتزم الركن المقابل لمنزل الرئيس في النهار حتى حلول الظلام، لمدة ثلاثة أيام، منتظرا خروجه.
فجأة، أشار له حارس الأمن عند الباب بإشارة تعني أن سيارة ستخرج من المرآب، وفعلا خرجت سيارة فخمة سوداء اللون.
بسرعة تبع عباس السيارة وهو ينادي: “سي بنكيران! سي بنكيران! سي بنكيران!”
توقفت السيارة، فتحت نافذتها، وإذا ببنكيران ينظر إليه باستغراب، فسأله عباس:
“سي بنكيران، أنا عباس صديقك من أزغنغان، جئت لدعوتك لحفلة عرسي.”
نظر بنكيران إلى عينيه بنظرة استغراب وتعجب، ثم أطلق ضحكته الشهيرة: “هاهاها!” وأغلق النافذة، وانطلقت السيارة بسرعة إلى الأمام…
قصة من واقع خيالي…
تظنون أنهم أصدقاؤكم، وأنهم يحبونكم، وأنهم سيتذكرونكم، وأنهم سيوفون بوعودهم…
تنتهي قصتكم معهم بمجرد التصويت لهم…
تحياتي
حكيم شملال
————————–ء
قصة 9
” دوفيز موسم الانتخابات”
الام : عباس خذ هذا واذهب للسوق واشتري بعض الخضر ولوازم البيت وخد منها خمسين درهما هدية من عندي لك بمناسبة عيد ميلادك
عباس (متعجبا مندهشا ومتسائلا) : ولكن امي ما اعطيتني ليس نقودا، انها انها انها ورقة الناخب
——- انتهت القصة——-
حكيم شملال
ورقة الناخب اصبحت عملة نقدية وسياتي يوم ستدخل البورصة، سيكون قريبا اذا بقيت الانتخابات عبارة عن سوق للاصوات
————————ء
قصة 10
“زمن النصابين”
عباس: علاش ضربتيه اولدي
الابن. : حشالي لهدرة ( اهانني بكلامه)
عباس: اش قاليك
الابن : قالي باك نزيه وشريف
حكيم شملال
———————–ء
قصة 11
“التعاسة… نحن من نبنيها”
التقى عباس بشيخ مسن ذي لحية بيضاء وقد ارتسمت بين تجاعيد وجهه تجارب الحياة ومعاناتها، في محطة للبنزين وكان مسافرا نحو الرباط من اجل عمل تجاري، التفت إليه بعدما ألقى عليه السلام وقال: سيدي الشيخ هل لي بنصيحة، اني ذاهب الى العاصمة من اجل العمل والتجارة وهي أول مرة اخرج من قريتي الى عالم كبير وتجربتي قصيرة في الحياة.
اخذ الشيخ ورقة وكتب عليها بعض الكلمات وقال: ” ارى انك في بداية الطريق لهذا خذ هذه الورقة ولا تفتحها حتى تصل الى الرباط، عند وصولك احرقها دون ان تقرأ ما بداخلها، فإن فعلت فستكون سعيدا طول حياتك وإن لم تفعل فستكون تعيسا ولن تنجح في حياتك” ، وسلم عليه الشيخ وابتعد الى حال سبيله.
عباس اخذ الورقة من الشيخ وركب سيارته ليكمل طريقه، بقي طول الوقت يفكر ما دار بينه وبين الشيخ من حديث قصير وكيف لورقة وبعض كلمات ستجعله سعيدا، الحيرة وحب معرفة ما بداخل الورقة جعلته يركن السيارة في احد جوانب الطريق السيار وفتح الورقة وقرأ ما بداخلها:
” انت سيدي فضولي لدرجة غير محمودة، لو خيروك بين السعادة والفضول يظهر بفتحك لهذه الورقة انك ستختار الفضول، لهذا لن تكون سعيدا في حياتك”
حكيم شملال
——————————ء
قصة 12
“المنتخبون والتنمية”
كان عباس يترأس دورة عادية للمجلس البلدي، وقبل بدء الدورة بقليل، تلقى مكالمة غير متوقعة. كان الصوت في الطرف الآخر متقطعا للغاية بسبب مشكلة تقنية، ولكن على الرغم من الصعوبة في سماع الكلمات، استطاع عباس أن يميز بعضها:
الصوت من الجهة الأخرى: “نحن لجنة تابعة للوزارة… ششش… ستعتقل… ششش… كل من وعد الساكنة بشيء ولم يوفيه… ششش…”.
وما إن انتهى الصوت، حتى رمى عباس هاتفه على الأرض بسرعة، وسرت رعشة في جسده. لم يكن هناك وقت للتفكير؛ قلبه كان ينبض بسرعة، وأعصابه مشدودة. كان يعلم أن الأمور قد تفلت من يديه، وكان يعلم أيضا أنه في مأزق.
نظر عباس يمينا وشمالا وقال لباقي الأعضاء المجتمعين، بصوت يقتطعه الشهيق والزفير: “اهربوا! الجواد راهم عاقوا بينا…”.
ثم انطلق الجميع يتدافع ليخرج بسرعة نحو الباب، تاركين أغراضهم فوق طاولة الاجتماع. ومنهم من تعثر وسقط أرضا، بينما استنجد به الآخر: “جيب يدك يا سعيد، جيب جيب!”، أما عمر، فقد كان يصرخ: “ستناني! استناني يا يا هشام” ومن هناك احد يصرخ ويقول ” دغيا دغيا اياسير” ومن هنا ايضا شخص يندب نفسه وشبابه ويقول “منتصر نش واه منتصر واه زماغ زماغ”
خلال خمس دقائق فقط، كانت صالة الاجتماع خالية. وفي أحد أركانها، كان هاتف عباس مرميا على الأرض.
وكان يُسمع صوتا للمكالمة بشكل خافت: “الو… الو… المسامحة، الصوت يتقطع… أريد أن أخبرك أن لجنة تابعة للوزارة… سنعقد اجتماعا لكيفية التعامل مع وعودنا للساكنة…”
لكن عباس وسعيد ولا أحد لم يسمع جيدا ما كان يقوله الصوت من الجهة الأخرى ليصحح المكالمة.
مرت السنين، ولكن لم يظهر أي أثر لعباس أو لأي من الأشخاص الذين كانوا في نفس دائرته السياسية. اختفوا جميعا، رجال ونساء من مختلف الأحزاب والمجالس المنتخبة. لم يُعرف مكانهم أو السبب وراء اختفائهم الغامض.
كانت التحقيقات مستمرة، ولكن الأدلة كانت ضئيلة والأسباب لا تزال غامضة.
لكن الغريب في الامر ان ومع اختفائهم، ظهرت بوادر التنمية والازدهار في المدينة. كأن المنتخبين والسياسيين والاحزاب والبرلمانيين هم من يعيقون التنمية في هذه المنطقة..
حكيم شملال
———————–ء
قصة 13
“لقايد”
الساعة تشير إلى السادسة صباحا، والهواء لا يزال باردا قليلا، يحمل رائحة الصباح المختلطة برطوبة خفيفة.
يدخلون من شارع الجيش الملكي، حشد كبير من أعوان السلطة بشاحناتهم الثقيلة التي تئن تحت ثقل أغراض المحتجزة، وقوادون كثيرون بسياراتهم الرباعية ذات الإطارات الصلبة يغلقون الشارع بإحكام. كان المشهد أشبه باستعراض عسكري محكم، حيث تتناغم أصوات المحركات مع صرير الإطارات على الإسفلت، ليظهر مدى قوته وعزيمته لإتمام المهمة. تدفع المركبات على مسارب محددة بدقة، كأنها في تدريب عسكري، لتظهر جاهزيتها لحمل ما سيحتجز ذلك اليوم. مع ادخال الرهبة في قلوب المواطنين
من هنا تسمع بصوت عال متقطع: “نزل نتا…” ومن هناك صوت آخر يصرخ: «حيد حيد»، بينما يرد عباس صاحب المحل بصوت مرتجف، والرجفة تملكت شفتيه ويديه وعينيه التي لم تغمض طوال تلك الليلة: “ما نحيدش، عندي رخصة”.
يشدد القائد بصرامة، وصوته يتردد بين جدران الشارع الكبير: “هذه أوامر، ونحن نمثل القانون”. يحتدم النقاش، وتتصاعد الأصوات، ويجد عباس نفسه وحيدا وسط بحر من الوجوه الصارمة، العيون المتربصة، والملامح المجهدة لعشرات من القوات المساعدة والأعوان والقواد.
يتملك الرجل هلع شديد، ينبع من عمق قلبه، يغلبه الترهيب الذي مورس عليه بلا رحمة، فيستسلم أمامهم، ويدير نظره نحو مظلته القديمة، تلك التي كانت تحميه من حرارة الشمس الحارقة في أيام الصيف، ينتظر بصمت كيف سيهدمونها قطعة قطعة، وكأنهم ينهون معه قصة لرفيقة دربه التجاري التي مرارا كانت تحميه من لسعات لهيب النور الصباحية.
ثم يرفع رأسه ببطء، وتختلط في عينيه دموع الحزن واليأس، ويهتف بحسرة عميقة: “لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم”.
حكيم شملال,
———————–ء
قصة 14
” جدي المخزن”
اسمه عباس، سنه ثمانية عشرة ربيعا، عاش اعوامه العشرة الاخيرة كنزيل لدى الجمعية الخيرية الاسلامية بالناظور، الآن وقد وصل سنه القانوني للاعتماد على ذاته، وجد نفسه مضطرا وبدون استشارة احد، نزيلا جديدا على الشارع دون اب او ام او رفيق، فقط حقيبة قديمة فيها بعض القصص لجورج زيدان وبعض الملابس التي قدمت له كهدية بمناسبة عيد ميلاده الثمانية عشرة من طرف رئيس الجمعية قبل ان يطرد منها بلباقة مستعملا عبارات ثقيلة وحماسية حيث قال له: يا بني ها قد وصلت سن الاعتماد على نفسك، وعليك ان تشق طريقك للبحث عن مستقبلك وكن قويا مثل ما كان ابوك رحمه الله “ابن المخزن” شريفا ومحترما.
عباس لم يلتقط من كلام السيد الرئيس سوى ان اباه كان “ابن المخزن” بما يعني انه حفيد “المخزن” وعليه ان يبحث عن جده، فكان لابد ان يضع خطة عمل للبحث عن جذوره وعن اهله، لكنه حديث العهد في الاعتماد على نفسه، لهذا قرر ان يستعين ب”لمقدم الحومة” الذي يعرف كل اخبار العالم وخبايا النفوس ومخططات الاشرار وتحركات الكون ولغة الخلق حتى لغة النمل متمكن منها.
ذهب عباس متفائلا الى مقر المقاطعة الحضرية حيث يتواجد “لمقدم الحومة” متأكدا انه سيجد الخبر اليقين عنده وان لا يكون مصيره اليوم المبيت في ركن مجهول من احد أزقة المدينة.
عندما وصل الى المكان وجد “لمقدم الحومة” يشهد بإمضائه في ورقة رسمية عن ان السيد جعفر السعداني المزداد بالناظور والذي عاش حياته في كندا بأنه عازب، استغرب عباس وتساءل خاطره: كيف “لمقدم سعيد” أن يعرف حيثيات زواج او عدمه لشخص عاش معظم حياته في كندا. ثم تذكر بان “لمقدم” هو عارف اسرار الناس وخباياهم.
التفت اليه سعيد وقال: مالك يا عباس هل انتهت مهلتك في الجمعية.
حوار داخلي في نفسه مشحون بالدهشة والفرحة، قال عباس في نفسه: انه يعرف عني كل شيء، وأكيد سيعرف الكثير عن اخبار جدي “المخزن” ، ثم وجه كلامه مستعطفا ل”لمقدم سعيد” وقال: جئتك قاصدا يا عمي “لمقدم” ابحث عن جدي “المخزن”.
سعيد: ( ضاحكا) نعم ابوك كان “مخازني” من ابناء “المخزن”.
عباس: هل يعني هذا ان لدي اعمام وعائلة كبيرة، يا فرحتاه قد فرجت.
فرح عباس كثيرا لانه تأكد اخيرا ان اليوم سينام في احضان جده وأعمامه وسيلعب مع ابناء عمومته.
سعيد: نعم لديك عائلة كبيرة وهم ابناء هذا الوطن ويجمعهم “المخزن”.
عباس: كيف لم افهم ما تعنيه، اكيد تتحدث بكلام الكبار انا فقط اريد عنوان جدي اين يسكن.
سعيد: جدك المخزن هو “بوعو” او “البعبع” يسكن صدورنا، أوجده من كان يحكمنا يوما، ليجمع المغاربة بَيْعَة على سلطان، يخافون رؤيته، يسمع كل همسة أذن او دقة قلب، فان مسك المخزن سيصيبك الصرع ولن يشفيك غيره، كل ما اجتمع اثنان إلا وثالثهما المخزن، المخزن هو الناهي والآمر، هو الذي يجازي ويعاقب، هو الذي يجمع ويفرق، يسكن داخلنا وخارجنا، يمشي معنا جنبا الى جنب حتى عند دخول دورة المياه لقضاء الحاجة، انه بطل القرون الماضية قد وحد المغاربة حتى في اصعب الأوقات، لا ثورة ولا اصلاح ولا نقاش مع المخزن، انه يسكن في قلوبنا وجوده بوجودنا، ابتعد يا عباس اذهب لحال سبيلك، فالمغرب كله بين يديك اختار أي ركن فيه واجعله مقر نومك، اما جدك فلا تخف انه معك اينما وجدت ونحن كلنا ابناء عمومتك.
عباس ذهب لحال سبيله ولم يفهم من كلام لمقدم الحومة شيء فقط أَن عليه ان يبحث عن جده في مكان آخر.. حل الظلام وحل الخوف معه، ارتعد جسمه مع ان الجو ليس باردا، عَم السكون في الركن الذي اختاره كمكان لنومه قبالة باب محطة الحافلات قرب مصباح عمومي يأتيه النور من هناك تذكر البارحة وتذكر عامل اقليم الناظور وشخصيات الاقليم والفاعلين الجمعويين ومحسنين والوافدين الساميين من كل منطقة عندما كانوا دائما في زيارات متكررة لمقر الجمعية بوجوه متبسمة يلتقطون الصور لتملئ بها المنابر الاعلامية ويطبطبون على اكتافنا بأن لنا مستقبلا زاهرا في هذا الوطن العزيز
اخرج من حقيبته قصة لجورجي زيدان ليقرأ عن بعض البطولات وليواصل البحث غدا عن جده، فإذا بعنتر المُشرًط المشرمل وقف امامه، انه عنتر المجرم مغتصب الاطفال ينظر اليه باثارة.. وقال له: اهلا بك يا وديع ……..
وهنا انتهيت من كتابة قصتي وقصة كرامة عباس وشرفه وأحلامه، وستبدأ قصة اخرى سيكتبها غيري عن طفل آخر يسمى عباس المتشرد أوالمشرمل ضحية جدنا “المخزن”.







