الرئيسية / مساحة حرة / بريد القراء.. صرخة البرد: حكاية دفء غائب وقلوب لا تسمع
مساحة حرة

بريد القراء.. صرخة البرد: حكاية دفء غائب وقلوب لا تسمع

2025-01-26 18:44 2 دقائق قراءة 0 تعليقات

” ريف رس ” 26 يناير 2025

بقلم: الاستاذ مولاي الحسن بنسيدي علي

حينما يلتف الإنسان بغطاءه الوثير، مُحاطًا بالدفء والسكينة، ينسى، وربما يتناسى، أن هناك آخرين في زاوية معتمة من هذا العالم يُصارعون قسوة الطبيعة، وقد باتت الثلوج لهم غطاءً، والريح الباردة تسلخ أجسادهم العارية. هؤلاء الذين لم يعرفوا معنى الزرابي المبثوثة ولا دفء الأطباق الشهية، يعيشون واقعا يفيض شقاءً، ويتقاسمون مع البرد لقمة الموت في صمتٍ مرير.

هناك، في العراء، تسقط أوراق حياتهم مع كل قطرة مطر تتسرب إلى خيامهم البالية. يرتجفون تحت وطأة الثلج، تُثقلهم الرياح التي لا ترحم، ويُصارعون من أجل يوم جديد يُبقيهم على قيد الحياة. منهم من يموت وحيدًا، ومنهم من يختنق بالدعاء، بينما السماء وحدها شاهدة على أوجاعهم.

تلك الأجساد التي تمزّقت من البرد لا تطلب الكثير؛ فقط رغيف خبز، حساء دافئ، أو يد تمتدّ إليهم لتخبرهم أن الإنسانية لم تمت بعد. ولكن، أين نحن منهم؟ نحن الذين نعيش تحت أسقف آمنة، نصحو على سخونة الماء وننام على دفء الغطاء، بينما أصواتهم تذوب في صقيع الليالي الطويلة.

أين السادة والساسة؟
تراهم في قصورهم الفارهة، بين جدران شاهقة تحجب صرخات المحتاجين. يجلسون على موائد عامرة، يكتبون خطابات مُنمّقة عن التنمية والعدل، بينما أطفال الجبال يُدفنون بصمت تحت أكوام الثلوج، وأسر الخيام تغرق في السيول.

إننا نعيش تناقضًا مروّعًا، نقنع أنفسنا بأن الدفء الذي نملكه حقٌ مكتسب، وننسى أنه نعمة تستوجب الشكر بالفعل قبل القول. هذا الشكر لا يكون بتجاهل المستضعفين، بل بمد يد العون لهم، وبأن نكون صوتًا لمن لا صوت لهم.

يا من ترفلون في دفء حياتكم، تذكروا أن للبرد وجهًا آخر، وجهًا يُجمد أرواحًا لم تملك الخيار. تذكروا أن الإنسانية لا تُقاس بما تملكون، بل بما تمنحون.
لننزع الغطاء عن قلوبنا المتجمّدة، ولنكن دفئًا لهم، فقد يمضي هذا الشتاء بنا، لكنه قد لا يمضي عنهم إلا بمزيدٍ من المعاناة.

صرختهم أمانة في أعناقنا، فلا تتركوها تختفي بين ثنايا صقيع الصمت.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *